Arabpsynet

Points de Vue  /  Points of View

شبكة العلوم النفسية العربية

 

اللغـة العربيـة وتشكيـل الوعـي القومـي

أ. د. يحيى الرخاوي

Email : info@mokattampsych.com

أستاذ الطب النفسي - كلية الطب- جامعة القاهرة

 

q       أولا : اللغة العربية وتشكيل الوعي القومي

 

ضع شعبا في السلاسل

جردهم من لبسهم

سد أفواههم، لكنهم مازالوا أحرارا

خذ منهم أعمالهم، وجوازات سفرهم والموائد التي يأكلون عليها والأسرة التي ينامون عليها لكنهم مازالوا أغنياء

إن الشعب يفتقر ويستعبد

عندما يسلب اللسان الذي تركه له الأجداد؟ يضيع إذا للأبد:

إجنازيو بوتيتا

الشاعر الصقلي، ولد عام 1899

من قصيدة لغة وحوار

إن الترصد المنظم للغة العربية ليتخذ شكل الحرب الصامتة الناسفة.....

ولهذا الترصد أسبابه الموضوعية (حيث أن المترصدون يعلمون:) إن التماهي بين الهوية واللغة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثقافات الإنسانية كما بلغه عند العرب بكل اطراد تاريخي وبكل تواتر فكرى واجتماعي ونفسي.....

الناقد المفكر التونسي: عبد السلام المسدي

"............. ولن يبقى من اللغات البشرية إلا أربع قادرة على الحضور العالمي، وعلى التداول الإنساني، وهى الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية....

الكاتب الأسباني كاميلو جوزي سيلا

وترجمتها:

مقهى الأرض الخضراء

مطعم، " خذ معك "، ملاعب أطفال!!!

الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة

 

1/ مقدمة

1/1 موقع صاحب الرؤية:

إن منطلقي إلى هذه المداخلة هو من واقع ممارستي الإكلينيكية على أرضية بيولوجية (بالمعنى الأشمل لكلمة بيولوجي)، وحين أتذكر كلمة تشومسكي من أن "مدخل" الحل في مسألة اللغة هو البيولوجي. أشعر أن لإسهامي المتواضع هذا مكانه المناسب.

فالمفروض أنني أنتمي إلى تخصص بيولوجي أساسا، وأني أمارس واقعا إكلينيكيا يسمح لي بما يسقى أخيرا "ألعاب اللغة "، مع متحاورين يتكلمون لغات خاصة، بل يتناثرون إلى ما هو ". ضد اللغة " (= من معالم الجنون)، فأنا أتعرف على اللغة من ضدها (وبضدها تتميز الأشياء).

ثم نأتي إلى " الوعي". (وهر الشق الثاني من العنوان) فلا يحتاج الأمر إلى تفسير خاص يبرر مشاركتي من موقعي هذا، حيث أن الوعي هو تشكيل بيولوجي، وجودي، كلي بالضرورة.

1 /2 مقتطفات دالة:

تؤثر الضغوط العالمية للاندماج والاستيعاب تأثيرا حاسما أيضا على اللغات التي يوجد منها في العالم الآن من خمسة آلاف إلى عشرين ألف لغة، تعبر كل منها عن نظرة فريدة من نوعها للعالم ونمطا من أنماط التفكير والثقافة، لكن العديد من هذه اللغات تتعرض لخطر الانقراض في المستقبل المنظور، ويقل عدد الأطفال الذين يتكلمون بها، كما تترك (مكانها) لاتخاذ (إحدى) اللغات العالمية بديلا عنها، وهى اللغات التي يتسم متكلموها بالشراسة الثقافية* فضلا عن أنهم أقوياء اقتصاديا. والعديد من اللغات المهددة قد ماتت بالفعل.....

..... ويعنى اختفاء أية لغة إفقارا لمخزون الإنسانية من المعرفة وأدوات الاتصال داخل الثقافات وبينها.... "

"إن اللغة العربية تلقى بتاريخها تحديا كبيرا أمام العلم الإنساني، وهذا التحدي يبتهج به العلماء الذين أخلصوا إلى العلم مهجتهم، ولكنه يغيظ سدنة التوظيف الأممي ويستفز سماسرة الثقافة الكونية، لا سيما منذ بدأت المعرفة اللغوية المتقدمة على المستوى العالمي- وفي الجامعات الأمريكية تخصيصا- تكتشف ما في التراث العربي  من مخزون هائل يتصل بآليات الوصف اللغوي".

  إن فرضية كاميلو سيلو (تتمثل) في تصنيف اللغات المنتشرة في العالم اليوم والتي لها سيادة ما في حقول العلاقات الدولية إلى لغات تكتسب بالأمومة ولغات تكتسب لاحقا...، وتصنف اللغة العربية ضمن الألسنة التي يرتبط الطفل ارتباطا بها أموميا.

إن عالمية اللغة العربية- سواء أجاء بها الخطاب كحقيقة حاصلة أم كحقيقة افتراضية- لدس الحلم المزعج الذي يقض مضاجع المخططين الاستراتيجيين للثقافة الكونية.

إن اللغات البشرية تتولد و تحيا وتموت وقد يبلغ بها الاحتضار مشارف الفناء فيقيض الله لها من ينفخ في أنفاسها، فتنبعث انبعاثا جديدا فيشتد عودها وتستقيم هامتها، ولئن كان الأصل في اللغات أن تعيش بفطرتها وأن تفنى بفعل الزمن فيها، فإن التاريخ لقننا من الدروس ما به نسلم أيضا بأن اللغات قد تقتل قتلا فتباد، أو تبعث بعثا كأنما هو الإحياء بعد الممات.

هذه المقتطفات السابقة، وغيرها كثير، لابد أن تنبهنا إلى أن المسألة جد لا هزل، وإلى أننا نحتاج إلى العناية بكل تفاصيل الحرب الدائرة لمحو هويتنا قصدا أو استهانة أو استعلاء أو غرورا، وأننا أصحاب اللغة والتاريخ نساهم في هزيمتنا، ونحن نتنازل عنها كسلا وغفلة وإهمالا- وأننا إما أن نكون " انطلاقا منها (وليس بالرجوع إليها أو الاكتفاء بها) أو" لا نكون" إطلاقا، ولا لوم على الآخرين ما دمنا قد فرطنا في كينونتنا بكل هذه الغفلة السلبية والكسل الانتحاري.

وإذا كانت القضية قد أصبحت فرض عين لا فرض كفاية، فعلى كل واحد- من موقعه- أن يسهم بما يستطيع إن كان يسعى ليستحق شرف وجوده، يفعل ذلك حتى لو لم يقم بهذا الفرض على وجه الأرض غيره.

ومن هذا المنطلق أواصل تقديم هذه الرؤية و أبدأ بالتعريف بالمفاهيم.

 

2/ المفاهيم البدئية:

من الأفضل أن أحدد نفسي بألفاظ العنوان، فأبدأ بتحديد ما تعنيه المفاهيم التي حملتها ألفاظه المحدودة، على الرغم من أن غيري من أهل الاختصاص- في علوم اللغة خاصة- هم الأقدر على القيام بهذه المهمة (مهمة التعريف) إلا أنني أشعر أن هذا الاستطراد سوف يجنبني كثيرا من الشبهات إذا ما تلقى المتلقي معنى هذه الألفاظ كما اعتاد أن يفعل، وليس كما قصدت بها- هنا- تحديدا.

1/2 اللغة- الوعي: تعرّف لا تعريف

أما اللغة فهناك من الملامح والتحديدات ما كاد أن يصبح من البديهيات مما لا أرى مبررا للخوض فيه، مثل أن اللغة غير الكلام، ومثل أن اللغة لغات كثيرة، لها ألسنة كثيرة، ومثل أن اللغة أصل لعلوم عديدة، وليست أداة لغيرها من العلوم، وهكذا، لكنني أشعر أنه من المفيد التأكيد على أهم مناطق النفي قبل أن أستطرد إلى تقرير ما ينبغي إثباته: فاللغة ليست إضافة لاحقة لظاهر الوجود الفردي أو الجماعي.

وهى ليست أداة للاستعمال الظاهري

وهى ليست كيانا مستقلا عن الوعي، ولا عن الوجود ولا عن المخ

وهى ليست الكلام طبعا

فاللغة "لم تعد تمريرا جيد التقنين وخاليا من التشويش لنقل العلامات من يد ليد".

إذن ماذا هي اللغة التي سوف أتحدث عنها؟

(1) هي: ذلك الكيان البيولوجي الراسخ/المرن/ المفتوح في آن، القادر على تفعيل المعرفة في الوعي.

(2) هي: الوجود البشري نفسه في أرقى مراتب تعقده وفاعليته

(3) هي: التركيب الغائر لمصدر السلوك المحدد للشكل الظاهر

(4) هي: الوعي الدائم التشكل والتشكيل بما يسمح باحتواء المعنى- إذ يكونه- وإطلاقه بما تيسر وتناسب من أدوات

  (5) هي: إبداع الذات المتجدد إذ يصاغ في وجود قابل للتواصل

  (6) هي: تجلّي المعنى في تركيب قادر على التماسك في وحدات متصاعدة

  (7) هي: حركية المخ البشرى في كليته البالغة التنظيم، البالغة المطاوعة في آن

  (8) هي: "علاقة نزاعية بين متحايلين (ممارسة الحيل للتغلب على خصم تواصلي)"

  (9) هي: "تبادل غير مستقر لمات يهمهم الأمر الذين بوصفهم مشاركين في خطاب علمي يختبرون مزاعم صلاحية معاييرهم "

 (10) هي: مشروع متجدد وليست خطابا محددا

 (11) هي: "خطاب ". بما تحمله ألفاظها، ولما تشير إليه هذه الألفاظ مما لم تقله، أي أن اللغة هي ما سكتت عنه وما صرّحت به في آن واحد، أي أنها هي بما تظهر وبما تخفي معا.

ولا بد من إيضاح أن أيا مما سبق ليس تعريفا جامعا مانعا، بقدر ما هو تعرف على ماهية اللغة أساسا، وهو لازم لتوضيح هذه الخصائص الجذرية لحركية اللغة اللازمة لفهم الجزء الثاني من العنوان وهو "تشكيل الوعي"

 3/2 ماهية الوعي.

فإذا انتقلنا إلى محاولة التعرف على مفهوم "الوعي" باعتباره الشق الثاني في العنوان فسوف نفاجأ أنه أحوج ما يكون- أيضا- إلى نفي ما ليس هو لإثبات بعض معالمه على نفس النهج، ونبدأ بالتذكرة كيف توارت حقيقة الوعي عن الدارسين والكافة "إما بالإنكار أو بالإهمال أو بالنفي- كما يقول الطبيب النفسي الفرنسي هنري إي - فالبعض أنكر الوعي تماما كمادة للدراسة والتقييم مثل السلوكيين، والبعض نفخ فيه حتى أصبح هو كل شيء، فلم يعد شيئا، والبعض نزع منه التحديد الذاتي حين جعله شبكة معقدة من التركيبات البينشخصية، والبعض جعل الوعي- اختزالا- مرادفا للصحو مرة (ضد النوم) ومرادفا للشعور مرة أخرى (ضد اللاشعور)

إن حاجتنا شديدة لمواجهة كل ذلك لنتعرف على الوعي كما ينبغي، ذلك الكيان البيولوجي الذي يتشكل ب ومع اللغة.

ولكن بداية، لا بد أن نقر أن الوعي لازم كأرضية أساسية لكل نشاط عقلي أخر، وذلك باعتباره "الوساد". الذي تتم فيه العمليات العقلية الأكثر تحديدا، والتي تمثل الشكل بالنسبة لهذه الأرضية الأشمل المسماة بالوعي"، إلا أن هذا الفهم للوعي غير كاف لأن الوعي ليس مجرد أرضية منفصلة عن الشكل أو متبادلة معه بقدر ما هو حاضر في كل هذه العمليات حضورا شاملا ومحددا في آن، فالوعي. هو العملية الحيوية التي يتم من خلالها تشكيل منظومة عقلية في تركيبها الكلى هي لحظة ما، فإذا استمر هذا التشكيل لفترة من الزمن أصبح يمثل مستوى منظوميا كليا خاصا يمكن استحضاره وتنشيطه وإعادة تشكيله ككل، (حسب التناسب مع الموقف، والمطلق، والمثير، والمصاحب.. إلخ، مما يسمى أحيانا "حالات الذات"  أو منظومات من مستويات المخ أو. غير ذلك).

إذن، فاللغة عملية، وفي نفس الوقت هي منظومة وتشكيل متجدد

والوعي عملية، وفي نفس الوقت هو وساد ومنظومة ومستوى. يقول هنري إي"... أن تكون واعيا هو أن تعيش تفرد خبرتك حالة كونها تتحول إلى حضورها المعرفي الشامل. "

والعلاقة بين كل من الوعي واللغة هي علاقة وثيقة حتى لتوحي بالتماثل، وبالرغم من ذلك فهما ليسا واحدا، فرغم اتفاقهما في أن كلا منهما (أ) عملية، (ب) تخليق وتشكيل (ج) منظومة (ء) ملتحمة بما تحتويه، فإن ثمة فروقا ضرورية لابد من التنبيه عليها مثل:

إن اللغة توليد ذو وحدات أوفر كثرة وأنشط تشكيلا وأحضر إبداعا وأقدر حوارا في حين أن الوعي هو أكثر منظومية، وأعمق رسوخا، وأطول زمنا، وأجهز تنسيقا

فاللغة هي وحدة الوعي وفي نفس الوقت هي تشكيلاته المتداخلة القادرة على الإفصاح المعرفي دون إلزام ببلاغي محدد

والوعي هو كلية اللغة حالة كونها منظومة مستقرة نسبيا.

ومن هنا فإن تشكيل الوعي يعتمد بالضرورة على ما تتصف به اللغة من قوة وضعف، وإحكام وترهل، وإبداع وتناثر

وقبل أن نختتم هذا التقديم المبدئي، لا بد من توضيح أن اللغة ليست كيانا داخليا منفصلا كما يمكن أن يكون قد أثاره كل هذا التجذير لماهيتها، كذلك الوعي.

فعمليات اللغة وتشكيلات الوعي كلها مرتبطة بما تتغذى به من معلومات، وما تمارسانه من إبداع تواصلي وحوار نزاعي.

 

3/ ضد اللغة

تعرفت على جوهر اللغة من معايشة ضدها لا من البحث فيها ابتداء أو القراءة، عنها دراسة، وذلك من منطلق معايشتي للفصام وحواري مع الفصاميين، وإليكم بعض ذلك:

إن ما يسمى الفصام، (وهو اسم شائع ومخيف في آن)، هو مفتاح هل ه المسألة، واسم "الفصام. " يستعمله حتى الثقات منا في غير موضعه، ويفهمه، الأغلب بغير ما يعنى، فكثير من غير المختصين، بل ومن المختصين، يستعملون لفظ الفصام فيما يفيد ازدواج الشخصية أو ازدواج السلوك، أو تناقض التصرفات، وكل هذا سطحي و خاطئ. فازدواج الشخصية هو انشقاق عابر عادة، وكل شخصية من الشخصيات المزدوجة (أو المتعددة) لها حضورها، ولغتها ومنظوماتها المتسقة مع بعضها البعض في ذاتها رغم اختلافها عن كليات الشخصية (الشخصيات) الأخرى، وهكذا.

أما الفصام فهو يشير إلى عملية أخطر: تعلن درجات مختلفة من التناثر كيفما اتفق، وأبلغ وصف له هو ما جاء في شطر بيت شعر عربي".. ذو لب نثر (هذريان هذر هذاءة موشك السقطة ذو لب نثر) وهذا اللب النثر هو باختصار شديد ما يمكن أن يفهم باعتباره "ضد اللغة". (أو عكس اللغة وربما اللا "لغة")

والذي يحدث في الفصام هو الافتقار إلى كل من: المعنى المحوري، فالغاية الضامة، ذلك أن الوحدة القادرة على التشكل الضام في الأحوال. العادية إنما تفعل ذلك من خلال التمحور حول فكرة مركزية هي الفكرة الغائية وهي التي يفتقدها الفصامي على المستوى المتاح للفحص على الأقل. ومن ثم يظهر التناثر.

وفي المقابل فإن العملية العلاجية الحقيقية إنما تهدف إلى إعادة تكوين الفصامي (لغة/ وجودا/ وحدة) وذلك بتجميع تناثره في وحدات صغيرة ثم أكبر فأكبر حتى يعود الشتات المتناثر إلى ما يمكن أن يطلق عليه "الواحدية" (ضد الفصام)، فالعملية الفصامية هي أقرب إلى ما وصفه جيبسون في مقدمته لكتاب ليوتار "ما بعد الحداثة"... تحلل الذات إلى حشد من الشبكات والعلاقات المتناقضة والرسائل المتداخلة..

فإذا كان هذا هو الحال في الفصام، الذي نبهني- على مستوى الفرد- لما هو "ضد اللغة"، ومن ثم لما هو اللغة، فهل ينطبق الحال على المجتمع الأوسع خللا فعلاجا؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال دعونا ننتقل خطوة إلى وظيفة التوصيل والتواصل في علاقته باللغة، ودرر الكلام وما يقوم به من تغذية مرتجعة (مما ينطبق أيضا على مكافئات الكلام من إشارات).

 

4/ الكلام واللغة والشعر

إن الكلام وهو يؤدى بعض وظائفه للتواصل والاقتصاد، يعود فيؤثر ارتجاعـا على الكيان اللغوي ذاته، أي على تنظيم وجودنا وفاعليته، لذلك: فإن ما يصيب الكلام من وهن أو تشويش، يفقده قدرته على الإثارة والحفز، أو يطمس دلالته ويجهـض إيحاءاته، فيرقد كل ذلك مؤثرا على وجودنا/ لغتنا، بما يمكن أن يهز معالم كياننا الحيوي الأساسي نفسه.

لكن الظاهرة الوجودية التي قد تصاغ في ". كلمات" هي ظاهرة أسبق وأشمل من التركيب اللفظي الذي يحاول احتواءها، ناهيك عن اللفظ الذي يحاول إعلانها، يترتب على ذلك أن يجد الإنسان نفسه في مأزق حرج إذ يحاول عبور الهوة بين الظاهرة القبلية المتحررة نسبيا من التشكيل اللغوي، وبيات احتوائها فيما يمكن التعبير عنه بالتنظيم الإشاري الدال عليها، وأرجح أن هذا المأزق إذا ما وصل إلى بعض وعي صاحبه بشكل أو بآخر، هو من أدق الخبرات البشرية، وأي استسهال في محاولة عبوره، بالقفز فوقه تجاهلا، أو بطمس الوعي دفاعا، لابد وأن يترتب عنه إجهاض للمعرفة الأدق، ونكوص إلى اختزال خطر. وقد رجحت أن بعض محاولات تحديد مصطلحات علمية، أو تحديث المعاجم بصورة عصرية متخصصة، إنما يقع في هذا المحظور.          

 وأحسب أنه بالنسبة للكائن البشري، فإنه يصعب - بما هو بشر- أن نفترض أن ثمة مرحلة معرفية يمكن أن تعتبر أنها مرحلة "ما قبل اللغة"، ذلك أنه قد توجد مرحلة "ما قبل الكلام " أو مرحلة ما قبل اللغة القائمة الآن، لكن يبدو أنه يستحيل أن توجد ظاهرة بشرية أصلا ليست ملتحمة التحاما كافيا بلغتها، بمعنى تركيبها الحيوي الغائر.

لكن نمو اللغة يبدأ بحفز غامض لكنه متوجه، وطبيعة هذه الخبرات في هذه المرحلة تحول دون إمكانية تناولها بالأدوات التعبيرية العارية، ناهيك عن الدراسة المنهجية ثم الخضوع للوصف الكلامي، وهذه البداية تعلن أن الظاهرة الوجودية اللغوية هي الأصل، ظهرت أم لم تظهر في متناول السلوك.

والجدل الحركي الولافي بين الظاهرة الوجودية الأعمق، إذ تتفجر في علاقات وتركيبات جديدة، وبين التشكيل اللغوي السابق لها مباشرة، والعاجز!ثن استيعابها تماما، هو أصل تطور اللغة في حالة إبداعها المتجدد، وهو ما يسمى في أرقى صوره الجمالية " الشعر"، الذي ينشأ حين ترفض الظاهرة أن تظل كامنة في ما ليس لفظا متاحا للتواصل، وفي نفس الوقت حين ترفض أن تحشر نفسها في تركيب لغوي جاهز (سابق الإعداد) فالشعر هو عملية إعادة تخليق الكيان اللغوي في محاولة الوصول إلى أقرب ما يشير إلى الخبرة الوجودية المنبثقة، ومع النجاح النسبي لهذه العملية، تزداد اللغة ثراء، أي ينمو الكيان البشري إذ يتحدد نوعيا، وهذا ما يعنيه بعض النقاد والشعراء من أن القصيدة تخلق الشاعر في نفس الوقت الذي تتخلق فيه إذ يخلقها، وهذه العملية بالذات هي الإشارة الأساسية لعلاقة إبداع اللغة بتشكيل الوعي/ بكينونة الذات.

·     وهذه العلاقة المتبادلة بين اللغة والكلام، والمخفقة لما هو شعر (بالمعنى الوجودي الأعمق لما هو شعر) هي بالغة الدلالة في موقفنا هذا، إذ يصعب- وأحيانا يستحيل- أن تتوثق هذه العلاقة الضرورية لعملية إبداع أنفسنا باستمرار، ونحن نشكل وعينا بما هو نحن وبما يمكن أن نكون، إن تشكيل الوعي يلزمنا أن نأصل كياننا اللغوي بما تحمله حياتنا، وفي نفس الوقت أن نحرك هذا الكيان بما تسمح به مرونة حركتنا ومرتجع كلامنا، فإذا نحن تنازلنا عن جوهر جذورنا، أو تصلبنا في قوالب ما نستورده من كلام منهم، فإننا نحرم أنفسنا من إنتاج أنفسنا بما يمكن أن نكونه، وهو ما تعد به لغتنا فينا (نحن).

 

5/ القيود والجمود: في اللغة والوعي

تهدف المعاجم، من ناحية، إلى تثبيت كيان محدد لحصيلة لغوية في مرحلة تاريخية بذاتها، فتنقذ اللغة مؤقتا من الإفراط في الفضفضة والرخاوة، لكنها من ناحية أخرى قد تصبح قيدا على حركية اللغة إذ تفرض عليها الوصاية وتعوق تطورها، ونفس الأمر- وأكثر- يمكن أن ينطبق على المصطلح العلمي، وعلى بعض المنهج العلمي، وكل هذه المنظومات تترواح بين الوصاية الجاثمة، والحركية الممكنة، والانسلاخ الواعد.. وهكذا

ومن أسف، فإن معظم الملتزمين بالحفاظ على دور اللغة العربية في تشكيل وعينا يرجحون جانب الجمود دون الحركة، ويؤكدون على مرجعية المعاجم أكثر من الحرص على حركية إبداع اللغة وتجديدها. وكل ما قيل عن اللغة إنما ينعكس بشكل أو بآخر على تشكيلات الوعي، باعتبار أن الوعي هو لغة راسخة "ممتدة" في آن، فهي راسخة بمعنى أن تشكيلها قد أخذ شكلا له قوامه الخاص، يحضر معا، و يتوارى معا، ويتبادل مع غيره من مستويات الوعي، وهي " ممتدة" بمعنى أن الوعي يحتل مكانا زمنيا يؤكد رسوخه وعموميته وتفرده النوعي في آن.

 

 6/ تحلل الوعي القومي، ودور اللغة (العربية)

فإذا تحدثنا عن الوعي القومي، فإن ذلك يشمل أكثر فأكثر محتوى الوعي جنبا إلى جنب مع تشكيله وطبيعته، (وإن كان أي من ذلك لا ينفصل عن بعضه البعض بحال)

وبداية نقول:

"إن ما لحق اللغة العربية بسبب ما آل حالنا إليه: من تحلل وتدهور وتناثر وفقد الغائية وعجز القدرة الضامة المضفرة (ناهيك عن ضعف توظيف ناتجها في التواصل وغيره) كل هذا هو النتاج الطبيعي لـ "تخثّر الوعي" القومي (والوعي الوطني- من قبل ومن بعد) كما أن تدهور اللغة (اللغات) قد عاد بدوره على الوعي القومي بمزيد من التدهور، فنشأت حلقة مفرغة دوامة.

وفيما يلي بعض الإشارات لما حدث- ويحدث- في حياتنا، مما أثر على تركيبنا اللغوي ومن ثم على وعينا القومي:

1- يتزايد افتقارنا إلى الحرية ليس فقط بمعنى ضيق فرص ممارسة الاختيار المعلن، وإنما تأصل هذا الافتقار حتى أصبح مشكلة ذاتية داخلية، امتدادا لقهر السلطة (السلطة السياسية والاقتصادية والدينية والتعليمية والإعلامية والبحثعلمية، أي السلطة المؤسساتية عامة).

وإزاء ذلك يتم قهر الداخل ب "تجميد اللغة ومن ثم تصلّب الوعي" كنوع من الدفاع ضد المخاطرة بممارسة الحرية، وإذا سجنت الذات في هذه القوالب الجامدة أبدا، فلا حركة ولا إبداع على الرغم من تردد الأصوات كلاما، وكأننا نعنى شيئا ذا بال، وهو "ليس بشيء ".

2- يتزايد تآكل الأبجدية العامة القادرة على التوصيل والتواصل من ناحية، وعلى تشكيل وحدات اللغة والوعي بما يحقق الهوية ويسمح بتجديد الذات بالفعل الإبداعي خاصة

3- يتنامى الافتقار إلى الفكرة المحورية القادرة على الضم والتكامل، فليس ثمة مشروع قومي، أو توجه تعلمي عام، أو خطاب سياسي محاور، ولا عدو مشترك ماثل في الوعي بالمعنى النشط الحافز للنضال المستمر، بحيث ننضم في مواجهته لمواجهته، حتى الخطر اليومي الذي يهدد الفرد فيظهر في شكل هذا العرض أو المرض النفسي يتم تمييعه وتأجيله بالوعود والتلويح والمسكنات (مثل فرط وسوء استعمال العقاقير المهدئة في حالات المرض الفردي)

وتبلغ آثار غياب الفكرة المحورية مداها فيما يعرف بالفصام الذي يمثل أقصى التناثر الصريح. 4- يزداد الاتجاه إلى " الخوف من التحديد" الذي يسير جنبا إلى جنب مع اهتزاز قيمتي الإتقان والوضوح، مما يترتب عليه نوع من الهلامية والتقريب والذبذبة، فتهتز القواعد اللازمة لتشكيل كل من اللغة والوعي (أو لا تظهر أصلا).

5- يتملق اليقين الزائف على الجانبين، فمن ناحية نجد المؤسسة البحث علمية قد توقفت عن تطوير المنهج، وأصبحت الممارسة بمثابة طقوس وكهنوت بدلا من البحث عن المعرفة، كما أصبح همّ المؤسسة الدينية هو التأكيد على التفسيرات السابقة التجهيز، مع إقحامها لتصبح وصية على الفعل اليومي (فالوعي اليومي)

6- تحمل قنوات الخطاب (لا الحوار) المختلفة رسائل "مزدوجة (أو متعددة) الوثاق" ، فالحديث اللفظي عن الديمقراطية مثلا يصلنا جنبا إلى جنب مع الحديث الفعلي الذي تتم من خلاله ممارسة القهر اليومي بكل أنواعه

7- نتعرض مؤخرا لكم هائل من المعلومات المتاحة نتيجة ما يسمى.. "شفافية المعلومات" و"طلاقة التواصل"، وبدل أن تزداد فرص الاختيار بذلك يبدو أننا (من واقع كل ما سبق) أصبحنا نمارس ما يمكن أن يسمى القهر الاختياري، أو حرّية اختيار السيد، الذي نتبعه بدلا من أن نختار بين الحرية والعبودية أصلا

ففي حين أن الإنسان المعاصر في الدول المتقدمة قد صنع له صنما إلها جديدا من التكنولوجيا الحديثة مع احتفاظه بحق ممارسة حريته من خلال تغيير هذه الأصنام وتطويرها وتطويعها بشكل يكاد يكون مستمرا، نجد أن إنسان الدول المتخلفة يستورد أصنامه وصانعيها: آلهة سابقة التجهيز والبرمجة، بلا مفتاح شفرة أو كلمة سر لفتحها أصلا.

 

7/ أمراض اللغة وأمراض الوعي:

يمكن أن أوجز ما خبرته مما أصاب ويصيب اللغة فيما أسميته "أمراض اللغة"، وهو نابع أساسا من الممارسة الإكلينيكية، ولكنه ليس قاصرا على المرضى، بل إنني اختبرته في الحياة العامة فوجدته أكثر دلالة، وأولى اهتماما، وفيما يلي بعض ذلك :

1-     جمود اللغة: حيث تصبح قوالب للملء بالكلام، وليست تخليقا مرنا متجددا.

2-     ترهل اللغة: حيث تصبح متضخمة ورخوة في آن، فلا تعود قادرة على التشكيل والتشكل.

3-     تذبذب اللغة: حيث تتراقص قبل وصول الغاية، فتفقد توجهها الغائي رغم سلامة البدايات.

4-     غموض اللغة: وهذا يمكن أن يتم بنقص التحديد، أو بفرط التداخل، أو بكليهما.

5-   تصادم اللغة: حيث تعوق قناة لغوية بذاتها، مسار وحركية وتشكيل قناة أخرى نشطة في نفس الوقت (مثال: تصادم القناة اللفظية، مع قناة التعبير الحركي مع قناة التواصل غير اللفظي وغير الحركي).

6-   تناقض اللغة: حيث تحمل رسائل مضادة أو ما يسمى- كما ذكرنا- العلاقة "مزدوجة الوثاق" حيث يتم الخطاب اللفظي عكس ما يبلغه الخطاب غير اللفظي (مثلا) ومدكما يعرف في العصاب التجريبي.

7-     إجهاض اللغة: حيث تحسن البدايات لكن مع إفتقار اللغة إلى حركيتها الغائية، تفقد استمراريتها حتى تحقق الهدف من حضورها.

8-     تناثر اللغة: وهذا ما أشرنا إليه في البداية عندما ذكرنا ما هو "ضد اللغة " (الفصام).

  هذا، و يترتب على أمراض اللغة هذه أن يتشكل الوعي بصورة عاجزة ومعوّقة أيضا ومن ذلك ما يمكن تسميته أمراض الوعي.:

1-         الهلامية: وأعنى بها وعيا رجراجا، خافتا غامضا، يتعامل مع اللغة وإشاراتها بقوانين مهزوزة، ومتغيرة بلا قاعدة

2-     التداخلية: وأعنى بها ما يمكن أن يقابل فقد حدود الذات في مجال الإرادة، وكذلك ما يقابل فرط التداخل والتضمين في مجال الفكر، أي أن مستويات الوعي التي من المفروض أن تكون متميزة ومحددة تصبح مختلطة لدرجة تقابل ما يسقى التلوث، أي اختلاط مادة وتركيب مستوى معتن من الوعي، بمادة وتركيب مستوى آخر بغير توليف أو تكامل أو فكرة محورية ضامة لهما معا.

3-      الانغلاق (الدائرية المغلقة): وهو انغلاق دائرة الوعي بحيث إن المعلومات التي تصل إليه، واللغة التي تحاول أن تحاوره، تدور حوله أكثر من أنها تعيد تشكيله

4-     التسوياتية الصفرية: وأعنى بها أن الوعي يتشكل بما يحافظ على ثباته، وهنا تكون حركته نشاطا زائفا محكوما عليه بأن يظل في النهاية كما هو بما هو، لأن كل ما يضاف إليه، ليعيد صياغته، يعامل من خلال المعلومات الحاضرة القادرة على تمييع الموقف حتى تسكينه.

ومن خلال ما خبرت من موقعي أستطيع أن أفترض أننا مصابون بهذه الوفرة من أمراض اللغة و أمراض الوعي حتى تكاد تأخذ شكلا وبائيا، ثم إن الثورة الجديدة في عالم التوصيل والشفافية لا تقدم علاجا لهذه المسائل بل إنها تزيد الأمر صعوبة وتعقيدا، ذلك أننا نصبح كجهاز استقبال للمعلومات الجديدة التي تفيض علينا الآن من كل مصدر، ونحن نعاني- هكذا- من أمراض اللغة، وأمراض الوعي السالفة الذكر، وبالتالي نعجز أكثر فأكثر عن التعامل مع زيادة كفاءة التكنولوجيا الجديدة وأيضا مع زيادة الفرص المتاحة لنا من وفرة المعلومات، أي أن هذا التقدم المعاصر الذي كان المفروض أن يزيد في مساحة وتنوع تشكيل الوعي وتطور اللغة، كاد يصبح سببا في العجز عن التعامل في المتاح من هذا وذاك، إذ نتعرض إلى ما يشبه الحشر المشل، وبالتالي العجز عن الانتقاء الغائي للإبداع المتكامل، فيصبح الانتقاء عشوائيا، وبدلا من أن نبحر في محيط المعلومات مثلما يفعل الربان الماهر الذي تدرب على قيادة سفينة المعلومات، نغرق نحن تحت أمواج فيضاناتها.

 

8/ علاج اللغة (والعلاج باللغة)

وبمواجهة هذه التحديات، لو صحت هذه الفروض، نجد أنفسنا في موقف يحتاج إلى الانتباه فالفزع فالغضب ويا حبذا الفعل، وأستأذن في استعارة كلمة "علاج" لأصف بها الفعل الممكن هنا، مادمت قد استعملت كلمة مرض لأصف الكارثة. فهو علاج اللغة، أو العلاج بإعادة إحياء اللغة (بالمعنى الأشمل)

ولكي يتم ذلك لا بد من تخطيط ودراسة جدوى واقتصاد وتعليم صحيح، وسياسة رشيدة وحرية حقيقية الخ...

ويمكن تصور أن ذلك يمكن أن يتم على الوجه التالي:

1- على سبيل الاقتصاد ومن قبيل دراسة الجدوى، فإن أية بداية بعيدا غن لغتنا العربية هي إهدار لمخزون هائل من الخبرات والمعلومات و الوعي والتاريخ، ذلك أننا من واقع تركيبنا الجيني نحمل هذه اللغة داخل خلايانا فيما يسمى المورثات، صحيح أننا لا نحمل مفرداتها وإنما نحمل الاستعداد (أو العتاد بلغة الكمبيوتر) دون البرنامج التفصيلي والمفردات (وإن كنت أحتاج إلى من يصححني في هذا)، لكنني أتصور (والمرجع لعلماء المعلوماتية) أنه من باب الاقتصاد والتأصيل معا فإن الأقدر على الإبداع، والأكثر اقتصادا، هو أن نبدأ بهذا المخزون الجيني للعتاد اللغوي بالعربية، وحتى لو تعارض هذا الفرض مع المعطيات الأحدث لكل من علم الجينات وعلوم الكمبيوتر، فإن ممارستي الخاصة مع مرضاي تجعلني أتمسك بفرض يقول: إن الاستعداد اللغوي ليس غفلا من اللغة الخاصة للأجيال السابقة، وسوف يحتاج الأمر إلى الانتظار وإلى الأدوات المناسبة قبل أن ننكر أو نرفض هذا الفرض الهام كمنطلق للرؤية التي أطرحها في هذه الورقة.

2- البداية- إذن- هي من " بسط" "وإطلاق" اللغة الكامنة في الجينات وليست بالبدء في تعلم لغة جديدة لأننا لا نبدأ الكتابة على صفحة بيضاء، بل نحن نشكل تركيبات خام حاضرة في غور وجودنا البيولوجي على اعتبار أنها منطبعة أصلا (تاريخا) من خلال التعلم البصمي عبر الأجيال، فبسطها (بعد الولادة) أقرب إلى المرونة فالإبداع، وبهذا ننطلق من الجاهز الذي أعدّته الأجيال السابقة، فتكون البداية الصحيحة هي لغتنا الأم (وليست فقط لغة الأم) وهي اللغة العربية، بلهجاتها الواحدية (الفصحى) وبلهجاتها الطارئة عليها أيضا: (اللغات الوطنية كلغات تفريعية وموازية في آن)

3- ثم يأتي تقعيد قواعد التواصل والتعبير من خلال تحرير الخطاب والحوار، على كافة المستويات، وهذا من ألزم المبادئ التي تسمح باستعادة اللغة لموقعها المحوري في إطلاق الوعي المتجدد التشكيل، وهذا وذاك متعلق بحرية الخطاب والتزامه في نفس الوقت، فاللغة، على الرغم من كونها كيان ذاتي غائر، لا تنمو ولا تتطور إلا من خلال الطلاقة والتبادل والإبداع.

4- ثم يلزم الاهتمام بمشروعية ومصداقية الخطاب وخاصة في مجالات التعليم والإعلام والنشر، مع تجنب ما يمكن من الانحرافات السابق الإشارة إليها في مجالات أمراض اللغة والوعي.

5-     وتمشيا مع كل ذلك نتحرك لاستلهام كل مصادر المعرفة للانعتاق من احتكار منهج بحث بذاته، بالسماح بتعدد المناهج وخاصة المناهج المرتبطة بالخطاب المباشر، مثل إرساء مشروعية المعرفة الحكائية كمصدر أساسي من مصادر المعرفة.

6-          

9/ عن اللغة العربية والقومية العربية

كل هذا يمكن أن يعتبر عموميات تصلح لكل ما يصلح به الناس ولغاتهم في أي مكان وزمان، إلا أن هذه المداخلة خصت بالذكر "اللغة العربية"، وكذلك "الوعي القومي"؟

1/9- بداية لا بد من التفرقة بين ما يسمّى القومية العربية لأسباب سياسية أو عنصرية (أو عنترية) وبين ما يسمّى القومية العربية التي ما عاد يربطها إلا عامان موضوعيان لا مفر من وضعهما أساسا لأي فهم أو تحرك، العامل الأول هو: تبادل المصالح الاقتصادية، وأما الثاني: فهو تبادل الخطاب باللغة العربية،

والحديث هنا يتركز على العامل الثاني.

وإذا كنا قد تنازلنا، أو تنوزلنا عن فاعلية كل مقومات القومية العربية من جغرافيا وسياسة وتاريخ وحتى اقتصاد، فإنما اللغة العربية مازالت- حتى لو لم نرض أو نقصد- هي لغتنا. ومازلنا عاجزين، رغم الكسل من ناحية وتمادى التلوث والتلويث من ناحية أخرى، أن نتنازل عنها.

ولابد من ملاحظة بادئة في هذا الصدد في هذه المرح!ظ وهي أننا نعيش هذه الأيام نوعا من التناقض الحاد بين ظاهرتين: الأولى هي ما يبدو من اتجاه توحيد العالم من خلال شفافية المعلومات، واختفاء الاستقطاب السياسي، وإلى درجة متزايدة اندماج النظم الاقتصادية، والثانية هي إحياء القوميات في كل مكان.

وهذا التناقض يمثل تحديا مثيرا، يمكن أن ننتفع منه إذا دققنا النظر، ذلك أن المسألة قد تثبت أنها ليست تناقضا بقدر ما هي اختلاف للتكامل، فطيب أن تختفي " الحقيقة الوثقانية البدئية الواحدة" التي يمكن أن تصبح قيدا أبديا، وفي نفس الوقت طيب أكثر أن يفتح الباب. "للحق المتعدد" القادر على التفاهم والتكامل مع بعضه البعض سعيا إلى تشكيل "الحقيقة المتجددة الضامة".

ويمكن صياغة هذا الموقف (ولو بلغة ما يسمى بعد الحداثة) باعتباره "تنشيط الاختلافات للالتقاء المبدع في مواقع التقاطعات"، وهذا التنشيط الذي تقوم به كل لغة/وجود/ قومية في موقعها يقوم بعملين في آن: فهو إذ يؤكد الهوية (بتعميق التفرد الذاتي) فهو في نفس الوقت يحدد التوجه الضام (باستعماله أدوات لغات العصر الضامّة: المعلوماتية، والتكنولوجيا ومناهج المعرفة.. إلخ)

هذا عن "لماذا القومية" (الوعي القومي)

9/ 2 فماذا عن: "لماذا العربية" ؟

 لتوضيح هذا الأمر نبدأ بسؤال أسبق يقول: إذا كان الوجود لغة، واللغة إبداعا، ولا هوية ولا بقاء بغير ذلك، فأي لسان أقرب وأصلح لنا حتى يمكن استثمار ما هو لغة لازمة، وإبداع ممكن؟ الاختيارات أمامنا ثلاثة لا أكثر

إما اللغة العربية (الفصحى= تحت التحديث حتما).

وإما اللغات (اللهجات) العامية

وإما لغة أجنبية (يستحسن أق تكون لغة بلد سابق متقدم)؟

أما اللغة (اللغات) العامية فهي لغة لا شك في ذلك، وهي لغة قادرة ومبدعة، وفاعلة ولا يوجد ما ينقص من أحقيتها في ذلك، لهذا لا ينبغي إغفالها أو تهميشها، وإلا كنا نفتعل مسيرة ضد طبيعة التطور، وضد حركية اللغة، وضد فرص الإبداع، كما أن ما يسمّى "المعرفة الحكائية" إنما يستلهم كثيرا من مصادره من لغة الناس في الحياة الآنية، أو فيما يترتب عليه من تراكم عبر التاريخ في شكل أمثال أو عادات، سواء ظهر ذلك في الفعل اليومي، أو في الإبداع المعرفي أو غيره، كل ما في الأمر أن هذه اللغات (اللهجات) العامية لا ينبغي، ولا تقدر، أن تحل محل العربية الفصحى، وإنما هي تستطيع و ينبغي أن تجاورها وتتحاور معها وتثريها وتكملها.

فالمحظور هنا لا يأتي من الاهتمام باللغة العامية كلغة، وإنما يأتي من احتمال الإحلال العشوائي غير الملتزم الذي يترتب عليه اختفاء لغة عامة رصينة تم تقعيدها وحافظت على هويتها عبر مئات السنين في الخارج وفي خلايانا، لتحل محلها لغات جديدة تحتاج إلى تقعيد وتنمية وتنقية ومشروعية تكفل لها البقاء ناهيك عن التنافس والصراع مع لغات أوضح وأحكم. وثمة صعوبة أخرى حيث اللهجات المحلية هي لغة شفاهية أكثر منها كتابية،

وأخيرا فإن الخطى السريعة في مجال المعلوماتية والتكنولوجيا لا تتناسب مع هذا التشرذم المحتمل لو أننا اكتفينا باللغات العامية بديلا عن العربية، ونحن لم نكد نصدق أن منّا نفر جاد متقشف مثابر يهتم بإكساب اللغة العربية المواصفات اللازمة لتواكب هذا الذي غمر ويغمر كلا من الحياة والمعرفة كالفيضان المتلاحق من تحديث وبرمجة وتخزين (مثل د. نبيل علي وكل المشتغلين ببرمجة العربية الفصحى).

إن ما ينبغي علينا أن نبذل فيه قصارى الجهد هو العمل على تحديث الجاهز والممكن والعام، لعلّنا نلحق بالركب، بدلا من الجدل حول تجهيز الفروع الوليدة (اللهجات العامية التي قد نجد مبررا مستقبليا لتجهيزها بما يناسب فيما بعد).

أما إحلال اللغة الأجنبية (ولنفترض أنها الإنجليزية، لادعاء عالميتها، وعلميتها، ولظروفنا التاريخية الحديثة) كبديل للعربية، فهذا هو الخطر الأكبر، والأسباب كثيرة، وسبق أن عددتها في أكثر من موقع، وخاصة في سياق الجدل المخجل الدائر حول ما يسمى تعريب الطب، وأيضا في سياق فكرة التحذير من التعرف على مشاعرنا (في مجال علم النفس و الطب النفسي) انطلاقا من ألفاظ مترجمة وليس من تجارب معاشة.

9/3 تساؤلات أساسية:

ومن خلال تخصص في هذين المجالين (الطب النفسي، وعلم النفس) كنت قد واجهت أسئلة أرى أن عرضها مما يتناسب المقام الحالي، دون التزام بإجابات محددة عليها:

1-    هل هناك فروق جوهرية (ثقافية وحضارية) بين من يتكلمون الإنجليزية بوجه خاص (كممثل للسان الأعجمي الأنجلوسكسوني) وبيننا نحن الذين نتكلم اللغة العربية؟

2-        هل هذه الفروق- إن وجدت- هي فروق لسان أم أنها فروق لغة وتاريخ، ودين (وموقف إيماني) وأهداف وأعراف مغايرة؟

3-        هل المسألة هي مسألة تعصب قومي لإحياء تاريخ مجد قديم، أم أنها مسألة إتاحة فرصة لحوار حضارات وإسهام بشرى متضفر؟

4-        ماذا عن ضرورة التواصل بين العلماء بلسان واحد؟

5-        ماذا عن المستقبليات وأين تقع اللغة العربية من منظور علوم المستقبل؟

6-        ماذا عن العلاقة بالحضارة الإسلامية خاصة؟

7-        هل للعربية سمات خاصة يمكن أن تضيف إلى منهج ونظريات العلوم الإنسانية؟

8-        هل يتغير المنهج العلمي بتغير اللغة أم أن المسألة هي مجرد تغيير ألفاظ؟

9-        هل يستعيد العقل العربي استقلاله وحريته إذا درس وتكلم وبحث بالعربية؟ أم أنه سينعزل ويتمادى في غرور خطر؟

10-     هل يستعيد العقل العربي لغته بثرائها وتاريخها وقدراتها الإبداعية إذا استعاد حرية تفكيره وحركية وجوده وحقيقة استقلاله؟

وأكتفي بهذا القدر لأقفز إلى محاولة إجابة جزئية، لبعض هذه التساؤلات، إجابات تشير ولا تحسم.

 9/4 إجابات و فروض

إن اللغة العربية تعلن عن، وتمثل، حضارة راسخة، سجلت بلسان عربي، وظلت نفس اللغة قائمة كما هي، بأقل قدر من التشويه، حتى لتعتبر من أرسخ لغات العالم الحالية، يرجع الفضل في هذا أساسا إلى حفظها بالقرآن الكريم وعلومه، فهي تاريخ بشري قائم بيننا/فينا، ثم إنها التاريخ المخزون في الحاضر القائم، ونحن نطرحه خلفنا إما بإهمال وكسل عدميين، أو بسعي حثيث إذ نتشوه بلغات غريبة نشأت في ظروف حضارية مشكوك في بعض أوجه عطائها

ثم ننتقل إلى النظر في أصل التفرقة، وثمل هناك فروق جوهرية (ثقافية وحضارية) بين من يتكلمون الإنجليزية بوجه خاص (كممثل للسان الأعجمي الأنجلوسكسوني) وبيننا نحن الذين نتكلم اللغة العربية ؟

والإجابة الراجحة عندي هي "نعم"، إنه توجد فروق عملية قائمة من ناحية توعية الحياة اليومية والعلاقات والتوجه والاقتصاد والالتزام بالقوانين، والعقد الاجتماعي، والعرف، وشكل التدين، وغير ذلك مما لا مجال لتفصيله هنا.

ولا بد أن أعترف أنني استلهمت تحديد بعض معالم هذه الفروق كفروض من واقعين: لغتي العربية، وإيماني (إسلامي) الخاص، وهي ليست فروقا يقينية بقدر ما هي فروض محتملة.

1- فنحن أكثر اتصالا بالطبيعة وحوارا معها وفرصتنا أكبر للتناغم بها (أو المفروض أن نكون كذلك):

(لاحظ التشكيل المرن للغتنا، ثم لاحظ تحديد العبادات في الإسلام بمواقيت تؤكد على علاقتنا- بشرا- بحركة الطبيعة المباشرة من حولنا، وضرورة اتصالنا المنتظم بها، ربما للحفاظ على طزاجة و حيوية الفطرة)

ب- نحن أكثر امتدادا في الزمن. أو المفروض أن نكون كذلك.

(لاحظ غلبة الجمل الفعلية والمعنى الإيجابي للإيمان بالغيب: وهو ما فسرته باعتباره التأكيد على الحفاظ على فرص تفجير الإبداع مما "ليس كذلك"، ونفيت بذلك أن يكون الإيمان بالغيب- كما ساء فهمه- ليس إلا تسليما للخرافة)

ج- نحن أكثر تحديدا للكيان الفردي المتميز:

(لاحظ الضمائر المميزة لتنوع الخطاب حسب نوع المخاطب: أنت، أنت، أنتما، أنتم، أنتن). د- وفعل الكينونة حاضر ومتأصل في الكلمات في لغتنا بشكل أوضح وأكثر استقرارا من لغاتهم الواصفة للكينونة.

(لاحظ تنازل العربية عن استعمال فعل "يكون" لإظهار الكينونة، فالكينونة مستقرة في الكلمات بما لا يحتاج للتشديد عليها باستعمال فعل خاص لها، فلا نقول محمد يكون في المنزل (Mohamed  is at home) و لكن فقط.. محمد في المنزل" وهكذا .

هـ- ولاحظ أيضا كذلك كيف يتم الاشتقاق عن طريق الوزانات في العربية، بينما يتم عندهم بالسوابق واللواحق، وهو ما يجعل هيئة الكلمة حاملة لنمط فعلها ودلالتها في تركيبها ذاته، وينفي أن يكون التعديل الاشتقاقي على الجذر مجرد إضافة تلحق به من الخارج.

 

 10/ من العراقة إلى المستقبل

وقد آن الأوان لننظر في مسألة عراقة اللغة العربية وهل هذا الزعم في ذاته يكفي أن يكون مدعاة للتمسك بها، وبالتالي لترديد حكاية أصالتها، والنهضة انطلاقا منها؟... إلخ أم أن هناك بعدا آخر؟ بعدا يتعلق بالمستقبل وليس بالماضي بشكل أكثر تحديدا؟

كلنا يعرف، وبعضنا يتابع، ما يثار حول المستقبل، مما يندرج مباشرة تحت عنوان "علم المستقبل" أو "المستقبليات"، وهذا أمر لا يختص به وطن دون آخر، ولا ينطق به لسان منفرد سواء كان متقدما أو متخلفا، فالمستقبل هو المستقبل في كل مكان، وهو يعنى كل إنسان من أي لون وجنس، كما ينطق بكل لغات هذه الأرض، ويتأكد ذلك بشكل خاص إذا كان الحديث عن تهديد بالانقراض (من خلال تلوث البيئة أو غباء القادة والعلماء)

فأين تقع مسألة اللغة العربية من المستقبل؟ وهل هي لغة متاحف وعبارة وشعر قديم؟ أم أنها معمار حي مرن متجدد قابل للإبداع بالإضافة والحذف و إعادة التشكيل؟

إن كثيرا من المدافعين عن اللغة العربية، مثلهم مثل الفخورين بالحضارة العربية، يبدون لي وكأنهم أمناء متحف، أو شعراء يقفون على الأطلال، فإذا صحّ أن الأمر كذلك، وأن الدعوة إلى التعريب أو العودة إلى العربية ليست إلا ما هو مثل ذلك، فالأولى بنا أن نتمسك باللغات المستوردة القادرة على صياغة الحياة الآن فغدا.

أما إذا كان الوعي بمسئولية الوجود هو الذي يدفعنا إلى تغيير التعبير من "العودة إلى العربية" إلى "الانطلاق من العربية وبها.. "ا فهنا تستحق المسألة أن نجتهد فيها ونبذل في سبيلها كل ما تستأهله.

ولأضرب مثلا محددا من واقع الممارسة الإكلينيكية:

لقد وجدت من خلال معايشتي لتخصصي ولغتي أن ثمة مظاهر " تحضر" في الممارسة الإكلينيكية بما هي، بنية مكثفة في سياق وعي خاص، وأن هذه البنية/الوعي إنما تحضر بلغتها طبعا، ليس فقط بمعنى حكى الأعراض، وإنما بمعنى الحضور الفعلي لصورة المرض الكلية بما يسمح به تركيب اللغة، ثم نسارع نحن- الأطباء- بترجمة هذه الحالة من لغتها الحاضرة الكلية ذات الإيقاع الخاص والنبض المتميز، نترجمها إلى أقرب تعبير علمي يستعمل في وصفها وتشخيصها (اسم عرض أو اسم مرض)، فأجد أننا بذلك نبعد عن المريض ومعاناته لنقترب من الكتاب الأجنبي ورطانته، ومما لاشك فيه أننا يمكننا التعرف بشكلي أفضل غلى الظاهرة المعنية إذا ما صغناها بما هو أقرب إلى اللغة التي حضرت في الوعي الخاص بها، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالوجدان، أما إذا سارعنا بترجمتها إلى غير لغتها فإن ذلك يفصلنا عن الظاهرة وعن السياق وعن الوعي الخاص الحاضر المشترك بين الطبيب والمريض..

وما يعنيني من دلالة عرض هذه الملاحظة هو توضيح أننا في مثل هذه الحالات قد نرضى- مضطرين- أن نترجم الخبرة المعطاة - وخاصة في حالة لغة المريض العقلي- إلى ألفاظ نألفها نحن، لا تخص المريض في كثير أو قليل، ولا يفطن أغلبنا - وهو يفعل ذلك- إلى أنه إنما يختزل وجوده ووجود مريضه إلى "صوت" لفظ مألوف، لم يقصده المريض في الأغلب، هذا إذا كنا نترجم خبرة المريض إلى لفظ من لغته، لغتنا (العربية)، فما بالك لو كانت الترجمة إلى لغة أخرى؟ وما بالا لو كانت عقولنا نحن قد تبرمجت لرؤية هذا المريض بلغة أخرى؟ وما بالك لو كانت أسماء الأعراض (المختزلة) هي أساسا من أبجدية لغة أخرى؟

 ومثال آخر من واقع ما يدرسه أطفالنا في المدارس الأجنبية إن ما يدرسونه ثم ما يمثلهم من خلال المتاح في وسائل الإعلام إنما يبرمجهم بأبجدية بعيدة عن خبراتهم الذاتية، فيضطرون أن يتشكلوا تبعا لها، وليس تبعا لما يعيشونه من واقع تركيبهم اللغوي المتجذر، فيترتب على ذلك نوع من الاختزال والتشويه إذ يتشكل وعيهم مائعا مهتزا، ومغتربا عن أصله بما لا يسمح بإضافة أو إبداع.

إن إسهامنا في المستقبل يتناسب مع قدر الإضافة الإبداعية التي يمكن أن نساهم بها "معهم" بما هم ونحن- في حاجة إليها، ولا يكودا ذلك إلا بطلاقة تبدأ من موقعنا (فغتنا) نحو هدفنا (هم- ونحن) المشترك.

 

 11/ اللغة العربية والحضارة الإسلامية

ثم ننظر الآن في أمر آخر ردا على تساؤل يقول: ماذا عن ارتباط اللغة العربية بالإسلام خاصة؟

لا شك أن فضل الإسلام (القرآن خاصة، وتسجيله مبكرا وصادقا) في الحفاظ على أصالة وألفاظ ونبض اللغة العربية ليس كمثله فضل، وهذا يجعلنا ننظر مليا في الفرق الجوهري الذي يفرضه الموقف الإسلامي الشامل لكل الأديان التي تظلها مظلة حضارته، بالمقارنة بالموقف الشمالي الغربي- المرتبط بالعصر الصناعي من جهة، وتأليه الإنسان الفرد من جهة أخرى، ونوع التنمية الكمية الاستهلاكية المغتربة من جهة ثالثة، واستنزاف الطبيعة من جهة رابعة: كل ذلك قد صاغ الفكر الأوربي في القرنين الأخيرين، بما آل إليه، ويمكن أن نستنتج كيف تدخلت هذه الصيغة في تركيبهم اللغوي حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من مناهج تفكيرهم وبحثهم واستنتاجاتهم وتنميتهم وتخطيطهم.

لكننا نحن بإسلامنا (بالمعنى الأشمل الذي يحتوى إخواننا المشاركين حضارة الإسلام من أديان أخرى) نختلف، (سلبا وإيجابا) أو ينبغي أن نختلف بفضل هذه اللغة التي مازالت تقاوم ما نفعله فيها وفينا، ذلك أن اللغة العربية بثباتها وتحملها كل هذه القرون قد ساهمت حتما في حفاظنا على علاقتنا بالطبيعة، ولعها هي التي توحي لنا مؤخرا- إذ نحاول الإفاقة- أن للحياة هدفا آخر، وأن الإنسان ليس إلها، وأن المنهج القائم الغالب عندهم والمحتكر لما يسمى علما، لا يفي لسبر غور الحقيقة، كل الحقيقة أو أغلبها، وأن لنا علاقة متصلة بالطبيعة، غير الاقتحام والسيطرة والاستنزاف.

هذا عن الناحية الإيجابية، أما عن الناحية السلبية، فسوف أبين منها جانبين كأمثلة دالة.         

المثال الأول: هو احتكار تفسير النص القرآني لمن حذق اللغة العربية، وهذا طيب من حيث المبدأ لكن شروط الحذق كما يفرضونها، أو يفترضونها، هي أن يتجمد المفسر عند مرحلة ساكنة من مراحل تطور اللغة، بأن يتحرك داخل المعاجم تحديدا، ووراء أسوار القواعد الثابتة تماما، وفي إطار التفسيرات القديمة المسجلة أساسا، فنكاد بذلك أن نكون قد قررنا موت اللغة مع من مات من المفسرين والمعجميين، مع أن الأصل أن يكون حذق اللغة الواجب توافره لمن يتصدى لقراءة القرآن من جديد هو حذق إبداع وتطوير، وليس حفظ تجميد وتحجيم، حذق يسمح بالاستلهام، ولا يكتفي بالتأويل، فيصبح النص المقدس مثيرا لحركية هذه اللغة/ الوعي/ الآني لنستلهمه مجددا مع كل احترامنا لكل القواعد الشكلية والهيكلية والتركيبية والتاريخية.

 والمثال الثاني: يقع في أقصى الناحية الأخرى، وهو ما يطلق عليه اسم "التفسير العلمي للنص الديني" فهذه البدعة ترتكز على ظاهر اللغة العربية التي نزل بها النص لتقدم تفسيرات جامدة لظاهر جزئيات معطيات بعض العلم.

إن مارد مناهج المعرفة يتمطى ليمزق القيود الجاثمة نتيجة التضييق والإلزام بمنهج قديم محدود يتمطى وهو يستشرف انفتاحا للتعرف على السبل المشتركة إلى: الله/ المعرفة/ القدرة/ الإبداع، لكننا نحن العرب المسلمين نتمادى في الاختباء خلف قضبان سجن لغة قديمة ثابتة (ليست هي العربية الحية) وكما نختبئ خلف أسوار ومنهج علمي تجريبي مقارن قاصر فنشوه الجميع: الماضي و لحاضر والمستقبل، العلم والدين واللغة والإيمان.

 وكأن هذه المحاولة (التفسير العلمي للنص المقدس) ليست إلا عملية ترجمة قبيحة من لغة مغلقة نحبس فيها النص الإلهي، إلى لغة مختزلة نتصور أنها تمثل العلم النهائي، فتكون النتيجة هي اختزال حركية الإسلام الملهم وحبسه في سجن لغة جامدة وعلم زائف في آن.

وهكذا يتم اختزال معطيات الدين واللغة جميعا إلى ما شاع أنه العلم، ونحن بذلك لا نختزل العلم فحسب ولا نمتهن الدين فحسب، بل إننا نعبث في تكوين وعي هذه الأمة جميعا حين نختزل عطاء اللغة العربية، واللغة الدينية جميعا.

وتصحيح هذا الوضع هو أن يكون ديننا (وهو لغة في ذاته)- مثله مثل لغتنا العربية- مصدر إلهام معرفي لتجديد الوعي وتنشيط الإبداع، وليس مجرد تابع تزيد قيمته إذا ثبت أنه أصدر نفس الأصوات الأجنبية العلمية وغير العلمية لتخبرنا عن قشور علمية لا تحتاج لإثباتها إلى نص إلهي أصلا.

إن لغتنا العربية لم تقفل باب التجديد والخلق وولادة ألفاظ جديدة، لكن هذه المحاولة التي تعتمد على تفسيرات قديمة بمضامين للألفاظ أقدم لا تفعل إلا أنها تساهم في تجميد اللغة والفكر لتصبح لغتنا لغة ميتة عاجزة عن استيعاب حركية الوعي الإنساني الخلاق، بل إن الفضل كل الفضل للغة ما لا يكون إلا من خلال قدرتها على استيعاب الخبرات الإنسانية المتجددة بتراكيب جديدة في سياقات جديدة، بل بألفاظ جديدة، أو بألفاظ قديمة قادرة على احتواء مضامين جديدة، وهذا وحده هو الذي يعطى أي لغة حقها في الحياة فضلا عن أنها بدورها تعطى الحياة قدرتها على التجديد والتسجيل والتواصل.

    وفي هذا، ومن أجله، لا ينبغي أن تحول المعاجم والتفسيرات الثابتة والقديمة وكذلك التفسيرات السطحية الحديثة دون اقتحام الأصل تحديده من واقع حركة المعرفة وتخليق الوعي دائما أبدا.

 

12/ عن اللغة و المنهج

إن الانطلاق من لغتنا العربية، تركيبا له بنيته الخاصة، وليس ترجمة عاجزة عن الحركة المستقلة، لهو من العوامل الأساسية التي قد تتيح لنا الفرصة لاختبار منهج أخر أكثر قدرة على سبر غور الحقيقة والإلمام بأبعاد المعرفة، ومن ذلك هذا الحضور المكثف للوعي الأشمل في وعينا الفردي ثم الجماعي، ذهابا وإيابا بما يعمق المعرف، الإيمانية، وليس هنا مجال لتفصيل أكثر، وإنما أكتفي بمجرد الإشارة إلى ما سبق أن أشرت إليه من تراجع المنهج التجريبي الكمي المعتمد على الرصد السلوكي عن احتكار ما يسمى موضوعية المعرفة، الأمر الذي يتواكب مع ظهور مناهج وطرق قادرة وشاملة يرجع الفضل في ظهورهما إلى الطبيعة  الحديثة والرياضة الحديثة مثلا، وهي التي تدعونا إلى أن نضع فكر أرسطو، ومن ثم ابن رشد في موضعه المتواضع، كل هذا خليق، أن يفتح لنا آفاق مناهج ومناطق أكثر قدرة وكلية وإحاطة وتداخلا، وكلها مناهج أقرب إلى بنية اللغة العربية القادرة، منها إلى التنظيم الخطى ذي الحروف المنفصلة بعضها عن بعض في لغات أخرى.

وبديهي أن المسألة ليست مسألة تمسك برطانة محلية نعود إليها أو حتى ننطلق منها لينصلح الحال، فنبدع الجديد، ونصوغ المنهج البديل، ونسترجع استقلال فكرنا، ونغير أهدافنا، كل هذا يستحيل أن يتم لمجرد أننا نتكلم العربية، أو أننا نتعلم ونبحث باللغة الأم، إن العكس تماما هو المطلوب، وهو ممكن، بمعنى أننا لو تبينا أننا نتميز عن غيرنا، ليس بالضرورة تفوقا، فقط: مجرد تميز، وأن هذا يسمح لنا بالحركة في مساحة أخرى، من منطلق آخر، وأن هذا وذاك يتيحان لنا فرصة اقتحام مجاهل المعرفة بشكل آخر في مسار آخر، وأن كل هذا يعني أن لنا توجها آخر، لو حدث كل هذا فهو إنما يؤكد أنه لا يمكن أن يتم إلا من خلال بنيتنا العربية الغائرة، التي بعض صورها: النطق والبحث والحوار والنهج بهذا اللسان العربي.

فالعقل العربي لا يستعيد استقلاله وحريته باستعادة النطق بلسانه، و إنما باستعادة وتطوير المنهج المرتبط بلغته، حين تتاح له فرص أرحب إذا هو استعمل لغته تركيبا غائرا- بما يتيح تجديدها، ثم هو قد يستعيد أو لا يستعيد بحسب مسئوليته و إسهامه دوره، فزيادته على طريق المعرفة/ الحضارة بحسب جهده وإبداعه، فإذا فعل عادت لغته إلى الحياة ثم تطورت بدورها، فأعطت وتحاورت، وإذا لم يفعل فهو الخاسر نفسه ولغته وهويته فلا يبقى له إلا أن يتبع ويطيع (ويسمع الكلام) لو استطاع أن يفعل !!

 

13/ تطور اللغة وتخليق الوعي

من هذا المنطلق، وبعد هذه المقدم