Arabpsynet

أبحاث أصيلة / Original papers

شبكة العلوم النفسية العربية

 

.

لنــا مـا ليـس يرضيكـم ... لنــا المستقبــل

 

أ.د. محمد النابلسي - لبنان

.

 

    هل سمعتم يوماً عن قدرة الشعر على الانتماء إلى حقل الدراسات المستقبلية - السياسية؟. السؤال يبدو ناشزاً مع شيوع مقولة موت الشعر.  ألا أن ذلك لا يمنعه عن المطالبة بالجواب!.  هل تذكركم إنتفاضة الأقصى بقصيدة تقول : منكم السيف ومنا الدم/ منكم الفولاذ والنار ومنا لحمنا/ منكم دبابة أخرى ومنا حجر/ منكم قنبلة الغاز ومنا المطر/... إنه المقطع الثاني من قصيدة محمود درويش "عابرون في كلام عابر". بعد أن تحدثنا في الفصل السابق عن سيناريوهات النهاية الإسرائيلية هل تعتقدون بإمكانية إدراج هذه القصيدة ضمن هذه السيناريوهات؟ . وهل تفقد هذه القصيدة - النبوءة طابعها المستقبلي لمجرد كتابتها شعراً؟.

    لقد أثبتت إنتفاضة الأقصى أن هذه القصيدة لم تكن مجرد مجموعة أبيات شعرية بل إن الواقع بين كونها تحليلاً نفسياً متعمقاً للذات العربية ولمكنونات العقل الجمعي. الذي حرم درويش من صوره الشعرية لأنه حولها إلى حقائق معيشة ثمنها الدم واللحم وأدواتها الحجر والمطر من سقف السماء ومن عيون الأمهات. إن التوظيف السياسي لهذه القصيدة  تم في اتجاهين. الأول وهو الطبيعي أي مخاطبة العقل الجمعي العربي والثاني كان إدخالها للتدريس في المدارس الإسرائيلية لتوعية التلامذة اليهود بخطر العرب عل ذلك يوقظ في لاوعيهم بعض النكوص إلى المشروع الصهيوني. بل علهم يتعلمون أن للموت دروب أخرى غير التي يتصورونها. وبأنّ هنالك من هو مستعد لسلوك هذه الدروب وهو يصرخ ... لنا الدنيا هنا ... والآخرة.

كنت قد نشرت هذه القراءة النفسية لقصيدة درويش بمناسبة الجدل الذي قام في الكنيست الإسرائيلي بسبب إدخالها في مناهج التدريس الإسرائيلية . وكان نشرها بتاريخ  31 /3 /2000 . في  جريدة الكفاح العربي البيروتية . وبالنظر لاعتقادي بأنها تلخص سيكولوجية السياسة الإسرائيلية وردود الفعل العفوية على هذه السياسة فقد رأيت ضرورة أفراد هذا الفصل لها.  حيث نبدأ بتعريف القارئ على نص القصيدة لننتقل بعدها إلى تحليلها وفق المبادئ التحليلية للأدب.


-1-
أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم، وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا.
واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء
-2-
أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا.
منكم الفولاذ والنار -  ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى -  ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز -  ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص ... وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء!
-3-
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر، مروا أينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا
ولنا ما ليس يرضيكم هنا.
حجر... أو خجلُ
فخذوا الماضي، إذا شئتم، إلى سوق التحف
وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، إن شئتم.
على صحن خزف.
فلنا ما ليس يرضيكم. لنا المستقبلُ
ولنا في أرضنا ما نعمل
-4-
أيها المارون بين الكلمات العابرة  
كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى مسدس!
فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم، وطن ينزف شعباً ينزفُ
وطناً يصلح للنسيان أو للذاكرة ...
أيها المارون بين الكلمات العابرة،
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعملُ
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأولُ
ولنا الحاضر، والحاضر والمستقبلُ
ولنا الدنيا هنا ... والآخرة
فاخرجوا من أرضنا
من برنا ... من بحرنا
من قمحنا ... من ملحنا ... من جرحنا
من كل شيء، واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة!


    هذا هو نص القصيدة التي أثارت مناقشة حادة في الأوساط الإسرائيلية وفي الكنيست بالذات، فكانت ردود الفعل عليه مؤكدة على كذب مقولة "موت الشعر" وعلى كون هذه المقولة مجرد شائعـة منسوخـة عن بقيـة شائعات الموت " الأيديولوجيات" و" القوميات" و" التاريخ" ... وغيرها من شائعات عصر المعلومات الذي يبدو وكأن غاية مأربه نشر الشائعات والترويج لها، باعتبارها أقصر طرق تحقيق الفائدة والفاعلية الداعمة لمكاسب مالكي وسائل الاتصال وتكنولوجياته. فهل يمكن للشعر أن يستمر في الحياة متحدياً الشائعة المعلوماتية وتكنولوجيا العصر؟

     في عودة إلى الأصول نجد أن الشعر كان يمثل ولعصور طويلة قناة الاتصال المثالية. وتتأكد لنا أهميته الإعلامية - المعلوماتية من خلال وجوه استعماله التاريخية. حيث نلاحظ أن الشعر لم يقتصر على إبداعية التعبير عن المشاعر الإنسانية وعن وجدان المبدع. فقد استعمل الشعر لتسهيل حفظ الشعائر الدينية. حيث تحويل هذه الشعائر إلى ترانيم يسهل حفظها ويشجع على تردادها بصورة جماعية. مما يحول التراتيل الجماعية إلى نوع من السيكودراما الموظفة دينياً ولاحقاً سياسيا. مع ظهور قصائد المدح والهجاء ولاحقاً مع امتزاج الشعر - الترنيمة مع الموسيقى وتدخل هذه الأخيرة في تلحينه.  لغاية تحول القصيدة إلى أغنية سياسية.

    عبر هذه المتابعة السريعة نلاحظ أن البشرية لم تتقدم كثيراً !أو هي لم تستطع التنصل من بدائيتها، فالإنسان لا يزال يمارس الجنس بذات الطريقة التي مارسه فيها الإنسان الأنيوليتي، بل انه لم يستطع أن يضيف أي شيء إلى تلك المعروفة تاريخياً. كما أن هذا الإنسـان المعاصر لا يزال يربط إقبالـه أو عزوفـه، عن موقف ما، بغرائزه البدائية.

    لعل الإنسان المعاصر يملك قدرة إرضاء هذه الغرائز بصورة أكثر مباشرة وأكثر استجابة لهواماته الغريزية. وقد يكون ذلك مدعاة له كي يتجنب إرضاء هذه الهوامات عن طريق التوحد بالشاعر أو بمعاني القصيدة أو الأغنية.  فعصر المعلومات يمكنه من تجسيد رغباته الخاصة - بل بالغة الخصوصية -  بصور حسية ملموسة. لكن هذا كله لا يستطيع أن ينزع من الإنسان رغبته في الحصول على الاعتراف (قبول الآخر له)، وهذا الاعتراف لا يمكن الحصول عليه من تكنولوجيا الاتصالات . التي لا تخرج عن كونها آلات مبرمجة في اتجاهات محددة تجلب الاعتراف لشريحة معينة وتنزعه عن شرائح أوسع وأكثر اقتداراً وحاجة للإعتراف.

    وفي عودة إلى قصيدة "عابرون في كلام عابر" نجد أن الصهيونية، التي تدعي ملكية السيطرة الإعلامية وتكنولوجيا الاتصالات، قد اهتزت لهذه القصيدة. وهذا الاهتزاز يدحض شائعة موت الشعر ومعها بدائية القصيدة وموت المؤلف وإمكانية التحكم بسلوك المجموعات البشرية ونزع هويتها من طريق منحها اعترافاً إيحائياً ووهمياً.

    فهذا الشاعر الفلسطيني يسخر عبر هذه القصيدة بكل مقولات العصر الجديد ويدعو شعبه إلى عدم الانسياق وراء " الاعتراف الوهمي " الذي يعرض عليه معلباً على شكل " دولة موهومة ". بل هو يدعوه للنكوص إلى عصر استخدام الحجر لبناء سقف السماء . فالسماء ترحم وتظلل أولئك الذين عايشوا الحجارة التي تحتها والتي استخدمت في بناء سقفها. وهذا النكوص إلى حجارة السماء يتطلب وقفة اختصاصية تجمع بين التحليل النفسي والأنثروبولوجيا والتاريخ بالإضافة إلى معطيات الراهن بالغة التعقيد. وهذا التحليل قد يكون اختصاصياً أكثر من اللازم لكننا نعتبره حاجة لتبيان فعل الشعر وحيوية القصيدة ولإظهار بعدها الثالث وهو البعد الفكري الذي يكمل البعدين اللغوي والإنفعالي العاطفي.

    والقصيدة التي بين أيدينا هي قصيدة نكوصية. والنكوص بحسب التحليل النفسي هو عودة إلى الماضي تهرباً من حاضر (راهن) لا تستطيع الأنا تحمله. أو أنها ترغب في تجنبه على الأقل. هذه العودة إلى الماضي تعتبر خطوة على طريق العودة إلى الصفر (العودة إلى بطن الأم التي تعكس فكرة ليتني لم أولد كبديلة لفكرة ليتني أموت). ومن هنا فإن النكوص يعتبر علامة من علائم الموت، وذلك تهرباً من راهن لا يحتمل ومستقبل يفترض أنه أكثر سوءاً.  لكن هذا النكوص يتحول إلى علامة حياة عندما يكون مدروساً كي يتم تسخيره لفهم الحاضر واستيعابه بغية تجاوزه إلى مستقبل أفضل والعلاج بالتحليل النفسي يعتمد على تداعي الذكريات (نطلب من المتعالج أن يعـود إلى الماضي ويتذكر أحداثه المؤثرة) وهي تحديداً ما يسمى بالنكوص المدروس (تحت قيادة وتوجيه المعالج) الذي يهدف إلى تنقية أحداث الماضي من انعكاساتها السلبية على الشخصية وتحويل هذه الأحداث لخبرات شخصية تساعد على مواجهة الخبرات الحاضرة والمستقبلية الشبيهة.

     وهاهو محمود درويش يتبدى محللاً نفسياً - أنثروبولوجياً في هذه القصيدة فتراه ينكص إلى الحجر  (الأرض وهي رمز الأم فائقة القوة والقادرة على حماية أبنائها والاستجابة لرغباتهم ). وهذه الأم قوية بحيث تبني سقف السماء وتحول الموضوعات السيئة إلى مجرد عابرة. وفي تاريخ جبروت هذه الأم قدرتها على إلقاء حجارة تسقط من السماء على هذه الموضوعات السيئة  (العابرون) فتتغلب على قوتهم العسكرية. وبذلك يصبح السيف والفولاذ والنار والدبابة وقنبلة الغاز ... الخ أدوات عديمة الجدوى أمام اللحم والحجر والمطر والسماء والهواء ... الخ. والافتقاد للجدوى يدفع بدرويش إلى طلب: " اسحبوا ساعاتكم من وقتنا "وهو طلب ينطوي على منحى وجودي بالغ الدلالة. فدرويش وجماعته يعايشون الوقت والزمن بطريقة مختلفة تمام الاختلاف عن معايشة العابرين لهما. فزمن أصحاب الأرض مرتبط بتاريخ عيش على هذه الأرض ومعايشة لحجارتها وارتباط بها لا يختلف بحال عن تعلق رضيع بثدي أمّـه.

     أمـا العابرون فلهم بعض التحف مع هيكل عظمي للهدهد وأشياء أخرى يمكن تكديسها في حفرة مهجورة. كيف لا وقد امتد حفظ هذه الأوهام، على مدى قرون عديدة، في الحفر المهجورة. حتى باتت القطيعة التاريخية (الممتدة من سنة  70 ميلادية لغاية أواخر القرن التاسع عشر) كافية حتى لمنعهم من العبور وبما أننا نتكلم عن مبادئ التحليل النفسي فلا بد لنا من استعادة بعض ما كتبه فرويد ( مؤسس التحليل وهو يهودي) في كتابه موسى والتوحيد. حيث يقول:" ... إعتمد اليهود حيلة ادعاء النسب بينهم وبين الشخصيات الكنعانية الشهيرة. وذلك بهدف التخفيف من وطأة معاملة السكان المحليين لهم بصفة مستعمرين... ".

أما التحليل النفسي ومعه علم اجتماع المعرفة فإنهما لا يقبلان مقولة " التاريخ تأليه معكوس