Arabpsynet

Revues   / مجلات /  Journals

شبكـة العلوم النفسية العربية

 

الإنســان و التطــور

تصدرها جمعية الطب النفسي التطوري و العمل الجماعي

السنة التاسعة عشر العدد 62 – يوليو – أغسطس – سبتمبر 1998

www.mokattampsych.com

 

q       فهرس الموضوعات /  CONTENTS / SOMMAIRE 

 

§         الإفتتاحية   الأولى : … ومن ذا الذي يهمه الأمر؟ وما هو هذا الأمر؟ / يحيى الرخاوي

§         الإفتتاحية  الثانية   :كيف يمكن للأشكال الحوارية أن تتماسك وتستمر؟ / فريد زهران

§         الإفتتاحية )3(   :تطور الإنسان والتطور / محمد يحيى الرخاوي

§         القضاء والمجتمع المدني )رؤية إسلامية(  / أحمد صبحي منصور

§         مقالات في التربية  : مقدمة ودعوة لنقد متواصل

§         لماذا تفشل الإصلاحات التربوية في المجتمعات الرأسمالية / د. شبل بدران

§         الحوار وتنمية التفكير الناقد هما الحل / د. الهام عبد الحميد

§         مثل وموال : الحب والكره في الوعي الشعبي

§         إغماض العين / السيد زرد

§         مقتطف وموقف / محمد يحيى الرخاوي

§         حالات وأحوال : ألعاب علاجية

§         كتابتان وكتابتان : عن الفقد، والموت..

§         زهرة على القبر / يوسف عزب

§         قرابة الأربعين عاما / إيناس طه

§         لحظة الفقد (ه)

§         علاقة  / إيمان مرسال

§         الثقة / ياسر عبد الحق ناصر

§         للتذكرة والتصحيح )عن تشخيص وتصنيف الأمراض النفسية(

§         إعادة قراءة في مصطلح قديم (الفصام)

§         شهلا / هاني يحي

§         هواء فاسد ولعنة تقتفي الأثر / أمال حسن عوبظة

§         مقال في المنهج » نحو المواجدة «   / ألفرد مارجيوليز ترجمة وتعليق إيهاب الخراط

§         صديقي / خالد حمدان

§         استفسارات ومشاكل

§         تقاسيم على أصداء نجيب محفوظ : قراءة  / يحيى الرخاوي

§         مقتطفات علمية ، الأبحاث الكيفية، والعلاج الجمعي ونشاط القشرة الجبهية في الفصام / د.أحمد حسين

 

q       ملخصات  /  SUMMARY / RESUMES 

 

§         الإفتتاحية   الأولى : … ومن ذا الذي يهمه الأمر؟ وما هو هذا الأمر؟ / يحيى الرخاوي

مقدمة : … ثم هانحن أولاء نواصل الصدور، و إن كنا لم نعد بعد في متناول "من يهمه الأمر" بشكل منتظم، و لا بانتشار متوازن، فوجب الاعتذار، واعدين بتصحيح أنفسنا تدريجيا أكثر فأكثر.

نواصل المحاولة.

و نعاود الاستيضاح و الإيضاح، فمن هذا الذي يهمه الأمر؟ وأي أمر هذا الذي نبحث عمن يهتم به؟

و نتساءل ألم يئن الأوان أن نكف عن التكفير في تفاصيل ماهيتنا، و أن نترك ما نكتب و ما نحاول ينوب  عنا في تحديد هويتنا، و لماذا كل هذا التكرار اللحوح؟.

و تأتينا الإجابة دون تردد :

نعم، نحن نخاف أن نسرق، نخاف أن نصدر لأننا نصدر، نخاف أن نواصل الصدور لمجرد أن عندنا تصريح من المجلس الأعلى للصحافة أن نصدر، لأنه خسارة ألا نصدر.

و من واقع كل هذا الخوف الحذر، نكرر، و لا نمل التكرار، في محاولة أن نتبين : ما هو هذا الأمر الذي نرجو أن يهتم به من يهمه؟… 

 

§         الافتتاحية  الثانية   :كيف يمكن للأشكال الحوارية أن تتماسك وتستمر؟ / فريد زهران

 مقدمة : لعلنا أن نكون مبالغين إذا قلنا إن ما أصاب مصر من ترد عام في العقود الأخيرة مرتبط إلى حد كبير بالاستبداد الذي جرم و صادر حق الناس في العمل  الجماعي، و مرتبط أيضا بازدهار الحل الفردي الذي ارتبط بالهجرة إلى بلاد النفط، و في هذا المناخ الرديء تصدعت و انهارت مؤسسات العمل الجماعي من نقابات و أحزاب و جمعيات … الخ، و الأهم من ذلك أن الناس في بلادنا فقدوا إلى حد كبير قدرتهم على تحمل أعباء العمل الجماعي و صعوباته بعد أن ذاقوا النجاحات السهلة التي قدمها لهم الحل الفردي في بلاد النفط، و نحن لا نعني بالصعوبات و الأعباء هنا مجرد تحمل ممارسات الدولة الاستبدادية رغم قسوة هذه الممارسات، و لكننا نعني بذلك أيضا ما يفرضه الانخراط في صفوف الجماعة – أي جماعة – من تنازلات محتملة و مؤامرات ضرورية، و لكن ما أصاب العمل الجماعي من وهن و ترد لم يحل دون تحقيق و ازدهار الكثير من العقول المصرية النابهة، فأصبحنا إزاء واقع عام متواضع على كافة الأصعدة الثقافية و السياسية في نفس الوقت الذي نلاحظ فيه وجود المئات، بل و الآلاف من النماذج الفردية – أو شبه الفردية – المزدهرة و الناجحة و التي تقدم بالفعل إنجازات فردية رائعة في مجالها، و هكذا يحار المرء، ففي نفس اللحظة التي يمكننا أن نرصد فيها وجود عشرات المفكرين و عشرات الأعمال الأدبية و الفكرية المتميزة – ربما بصورة لم توجد بهذا القدر من قبل أبدا، في نفس هذه اللحظة نشكو نحن – مثلما يشكو الجميع – من الأزمة الفكرية و السياسية التي تمسك بخناق الوطن و لا يفسر ذلك سوى هذا التناقض الصارخ بين روعة الإنجاز الفردي و انحطاط العمل الجماعي ...

 

§         الافتتاحية )3(   :تطور الإنسان والتطور / محمد يحيى الرخاوي

مقدمة : يبدو أن ما أنوي خطه الآن قد أصبح ضرورة أكثر من أي وقت مضى، فمن المحتم على الإنسان والتطور أن تبلور مشروعها وهي على أبواب سنتها العشرين. عشرون    سنة من الإصدارات (ستون عددا – المفروض – وبالضبط بالضبط تسعة وثلاثون)، ولما يستقر تعريف بعد، إلا تلك الصيغة التي لم تصلح وحدها أبدا، وهي أنها مجلة : "ما ليس كذلك".

ويدفع إلى هذه المحاولة –الآن- ما قد يلاحظه القارئ في الافتتاحيتين السّابقتين من سعي لصياغة ملامح المرحلة القادمة، وقد تصوّرت أن هذا السعي هو أهم ما نحتاجه الآن إلا أنني خشيت أن ينتهي بها الزعم بتحمل الاختلاف إلى ميوعة الهوية،وكأننا نبدأ من جديد، فإذا سمحت لنفسي بالتشاؤم، والاختلاف الحقيقي لقلت : إنني أخشى – إذا لم نتقن استيعاب " ما كان " مما هو " نحن" "لنكون" – أن نبدأ من صفر زائف إلى ما لن يكون واحدا صحيحا.

وقد يبرر لي – شخصيا- هذه المحاولة مبرر أساس، وهو أنني أطول صبيان هذه المجلة عمرا في هذه المهمة، وقد أكون أكثرهم استفادة منها. فقد أتاحت لي فرص نشر واحتكاك بفعل الكتابة والكتاب، مما لم يكن ليتح دونها أصلا، كما تميزت هذه الفرص أيضا بما لم يكن من الممكن أن يتوفر لمنشور في غيرها، من قبيل :

-       أنها سمحت بهذا النشر ( بل واستثارته ) في سني التكون المعرفي (19) سنة ، لا في سن الإنتاج المعتادة.

-       أنّها قد فجّرت – أو قل حاورت – أسئلة وقضايا جوهرية مباشرة ، بتوجّه احتمل أن يتعامل معه من هو مثلي : أي دون التسلح بأدوات الخطاب الفكري المعاصر عالي التخصص، معجّز التّراكم، وأن ذلك لم ينقص البتّة من مستوى طزاجة المعالجة، ولا من مستوى المعالجة نفسها.

-       أنّها استخدمت هذا الحق البشري في الطزاجة في تنمية حس نقدي حقيقي في مواجهة احتكار غيلان السلطات المعرفية العالمية،حتى ولو لم يتوفّر لهذه المواجهة سلاح إلا اعتبار الطزاجة : حقا أصيلا يستأهل الدّفاع... 

 

§         القضاء والمجتمع المدني )رؤية إسلامية(  / أحمد صبحي منصور

 مقدمة : أؤمن بأن الإسلام دين ودولة،وهذا معتقدي الذي أرجو أن أقابل الله تعالى عليه، ولكنني أخالف في ذلك أكبر طائفتين متصارعتين سياسيا وفكريا، وهما العلمانيون والسلفيون المتطرفون.

أخالف العلمانيين الذين يفصلون الدين عن الدولة، ويقطعون كل أواصر الصلة بين الدين والسياسة، وأقصد بالدين تحديدا هنا دين الإسلام. وهم بذلك يتجاهلون أن الإسلام أقام دولة في العصور الوسطى أحدثت تغييرا هائلا في تاريخ العالم حربيا وسياسيا وحضاريا.

كما أخالف التيار السلفي الديني، صحيح أن الإسلام دين ودولة ، ولكن أي دين وأي دولة ? هنا نختلف ليس في الفروع ن ولكن في الأصول والجذور. هم يرون الإسلام كهنوتا ويرون دولته دولة دينية كهنوتية يملكها الخليفة والملأ التابع له، ومن يخالفه فهو مرتدّ مباح الدم، لأنه خالف الراعي الذي يملك الرعية، فالناس هم رعية، وحيوانات أليفة يملكها الخليفة، ويتحكّم فيها كيف يشاء، ولديه جيش من مرتزقة العلماء يحلل له الحرام ويحرم له الحلال.

هذه هي طبيعة التدين السائد في العصور الوسطى منذ الخلافة الأموية وحتى الخلافة العثمانية . وتلك هي الدولة المثلى التي يطمح التيار الديني في إقامتها باسم الإسلام في عصرنا، ومن الطبيعي أن تلك المفاهيم عن الإسلام  ودولته الإسلامية تتناقض تماما مع الإسلام الذي جاء في القرآن والذي طبقه خاتم النبيين عليهم السلام. والموضوع طويل، ولكن نكتفي بعقد مقارنة سريعة لتوضيح التناقض بين الدولة الإسلامية  في عصر النبي وبعض الخلفاء الرّاشدين من الأمويين إلى العثمانيين، ثم نسير مع نظام القضاء بين الدولة الإسلامية والدولة الدينية لنوضح ارتباط الدولة الإسلامية بالمجتمع المدني ونظامه القضائي...

 

1.     مقالات في التربية : مقدمة ودعوة لنقد متواصل

ذكرنا في الافتتاحية الأولى كيف أننا ما زلنا نبحث عن " من يهمه الأمر "، وأننا نتوقعه بين قرائنا ممن يستجيب لما ننشر بصدق التلقي إذ يعيد إبداع ما نثيره فيه، كما نأمل فيه وننتظره بين محررينا ممن يساهمون بفضل المشاركة في الكتابة إلينا ومعنا.

فجاءنا هذان الإسهامان من الزميل أ.د. شبل بدران ود. إلهام عبد الحميد ليقولا قولا حسنا في أخطر منطقة تهمنا وتهم كل مهتم، تلك المنطقة القادرة على الوعد بما نحلم به : التربية (والتعليم).

ذلك أنه إذا كان لل "إنسان" أن " يتطور" فهو لن يفعل بأن نكتفي بأن نتعلّم من جنون المرضى أو بأن نحسن علاجهم، (من حيث هم قلة عارية ولكنها مكسورة)، ولا بأن نجيد الخطابة، ولا بأن نبدع تشكيلات خاصة في الأدب والفن، وإنما البداية الأولى ، والعامة، والخطيرة، هي في ما قد يكون إسهاما في تشكيل النشء تنشئة قادرة على الحديث بلغة العصر، والإسهام في مسيرة البشر بما حققوا، وبما ينتظر لهم أن يحققوه.

ولكن كيف يتأتى مثل ذلك على صفحات هذه الدورية المتواضعة الطموح ?

هل يكون بوضع برامج تفصيلية لسنا أهلا لتغطية متطلباتها ?

أم يكون بالتحذير الصارخ (الصادق والمضحك معا) عن اقتحام القرن الواحد والعشرين في حين أن أغلبنا يكرر هذه المقولة من الوضع "مضطجعا" ? ...

 

§         لماذا تفشل الإصلاحات التربوية في المجتمعات الرأسمالية / د. شبل بدران

هذه الورقة تحمل بعض الأفكار الرئيسية حول سياسات الإصلاح التعليمي والتربوي في المجتمع الرأسمالي المتقدم والتابع على حد سواء، وذلك من خلال رؤية الاتجاه الليبرالي الإصلاحي ورؤية الاتجاه  الراديكالي – النقدي – وهي تعني بالدرجة الأولى بالنقد الموجه من قبل أصحاب الاتجاه الثاني للأول، على اعتبار أن سياسات الإصلاح التربوي مورست لسنوات طويلة في العديد من المجتمعات الغربية والعربية من خلال رؤية الاتجاه الإصلاحي الليبرالي.

يرى أصحاب الاتجاه الليبرالي الديمقراطي أن النظام التعليمي يجب أن ينجز وباقتدار الوظائف الأساسية التالية :

1 – يجب أن يساعد النظام التعليمي على خلق نوع من التكامل بين الشباب والأدوار الشبابية والسياسية والمهنية المتعددة.

2 – يجب أن يساعد النظام التعليمي أيضا في تنمية المساواة الاجتماعية وذلك بتحقيق المساواة الاقتصادية.

3 – يجب أن يهتم النظام التعليمي بتطور الجانب الجمالي والإدراكي والأخلاقي تطورا كاملا للفرد.

وهذه يمكن تسميتها بالوظائف التكاملية المساواتية، التطورية للتعليم. ولكن المشكلة الرئيسية هي طبقا لواقع مجتمعنا نهل يمكن للنظام التعليمي – للمدارس – حقا أن ينمي المساواة الاجتماعية أو النمو الإنساني ?

 

§         الحوار وتنمية التفكير الناقد هما الحل .../ د. الهام عبد الحميد

للوهلة الأولى يتصور القارئ أن افتتاحية العدد السابق التي كتبها يحيى الرخاوي تتسم بالسخرية والتهكم، وأنها لهجة لاذعة استفزازية، إلا أن القراءة العقلانية النقدية تكشف عن فلسفة سقراطية وراءها تدفع القارئ للاشتباك العقلي معها حول القضايا المتعددة والمفاهيم والمشكلات الخلافية التي طرحتها من خلال حوار يستند على أسس موضوعيّة ويبتعد عن إملاء الأفكار والمعلومات، ويحقق نوعا من التفاعل والإيجابية والمشاركة.

ولعل ذلك يذكرنا بالحوار السقراطي الذي كان يوقع بالخصم في حيرة وتشتّت لبعض الوقت حتى يصل لجهد التناقض والصراع الذي يثير عقله، ويحفزه على التفكير والبحث والدراسة إلى أن يصل للحقيقة التي كان يراها سقراط ثابتة مطلقة داخل النفس البشرية.

وإن كنا نختلف في كون الحقيقة ثابتة مطلقة إلا أننا نجزم بضرورة وأهمية هذا الحوار السقراطي الذي يمكن أن يحقق درجة عالية من الجدل ويثير القضايا والمشكلات الخلافية من خلال تصادم الأفكار وصراعها وتعارضها، ومن ثم ينتقل العقل الإنساني من حالة من الشك الدائم، والبعد عن التصديق الساذج والخضوع للتصورات الكاذبة عن الذات والعالم.

وإن كانت الافتتاحية الأولى قد اعتمدت على الحوار في تناولها للقضايا التي أثارتها فإن الافتتاحية الثانية لنفس العدد قد أثارت قضية الحوار بشكل مباشر موضحة افتقارنا للحوار المثمر على كافة المستويات ولذا فإن الحديث عن الحوار وإن كان قد احتل مكانة أكثر أهمية وأكثر ضرورة لكل مجالات حياتنا، بل يمكن القول أنه الأمل الذي يمكن من خلاله الخروج من حالة اللامبالاة والفردية والتقوقع إلى حالة من المشاركة الإيجابية والتفاعل... 

 

§         مثل وموال : الحب والكره في الوعي الشعبي / قراءة  في الحب، وهامش عن الكره

مقدمة : لا توجد كلمة شاع استعمالها بالحق والباطل مثل كلمة الحب، فما أسهل النطق بها، وما أجمل استعمالها ، وما أكثر أشكال تجلياتها، ومع ذلك كله فما أغمض حقيقتها وكنهها، أما لفظ الكره، وهو الوجه الآخر للحب (وليس بالضرورة نقيضه) فهو أقل استعمالا ، وأيضا أهو أبعد عن النظر، ومحاولات قراءته عن قرب.

أولا : قراءة في الحب

في هذه الإطلالة سوف أحاول أن أقدّم ملامح عابرة من بعض الإشارات التي وردت عن الحب في المثل الشعبي المصري أساسا، لأن تغطية هذا الموضوع الجوهري أمر آخر، وبصفة عامة فقد لاحظت النظرة العملية للوعي الشعبي في موضوع الحب، في مقابل تلك النظرة الرومانسية المثالية التي تناولته بها أساليب أدبية أخرى، وخاصّة الشعر وبعض القصّ..

 

§         إغماض العين / السيد زرد

بداية : لم يكن ممكنا أن تكون النهاية إلا على النحو الذي حدث. ما كان لشيء أن يغير من مسار الأحداث وتداعيها ويصل إلى غير النهاية التي وقعت.

لا أسعى – من وراء قولي هذا- إلى نفي مسئوليتي عما وقع، بيد أنها الحقيقة، يجب الإقرار بها والتسليم بوجودها.

يمكن البدء في استعادة ما جرى من أي نقطة، والانطلاق في أي اتجاه ، حيث سيتم الوصول – حتما – إلى نفس النهاية .. تماما، مثل وضع الإصبع على أي موضع بالكرة، إذ يمكن الوثوق بأننا بمنتصف الكرة تماما . وأينما اتجهنا ، نتيقن من أننا بالقطع سنعود إلى نقطة البدء.

لا أريد أن أناقش المسألة على صعيد الجبر والاختيار، فذلك مستوى آخر للتناول، أرى أنه يزيد الأمر تعقيدا، ولا يفيد على الإطلاق في حالتنا.

فلنبدأ من أي نقطة..

ها هي تتقافز إلى ذاكرتي تلك اللحظة التي امتدت فيها يدي لتحوي لأول مرة يدها، فأدرك – على نحو ساطع – أن هذه المرأة أنثاي، وأنها لي حتى النهاية.

لم تكن قد انقضت على عودتي من الغربة سوى أشهر معدودات. عدت بعد سنوات ممتلئا بالمال والخواء، رحت أفتش عن بدايات جديدة للحياة : عملا بديلا عن الوظيفة التي تركتها، وزوجة عوضا عن الحبيبة التي نسيت ملامحها، وأصدقاء خلافا للصحاب القدامى.

بعد أشهر من العودة، لم أعثر سوى على مسكن جديد. انتقلت إليه، حاملا وحدتي وبطالتي وجهامة وجهي الأربعيني الذي لفحته شمس الصحراء.

فشلت في العثور على عمل يلائمني ، ولم أجد من يصلح صديقا. أما الأقارب فقد سئمت شرهم وعوزهم واحتياجاتهم التي بلا انقضاء. وتبدت فكرة الزواج في الواقع مأساوية وبائسة إلى حد مفجع...

 

§         مقتطف وموقف / محمد يحيى الرخاوي

§         حالات وأحوال : ألعاب علاجية متى يذل الإنسان نفسه ؟  ليحميها مثلا  ؟  متى يضطر أن يفعل ؟

مقدمة : كان لظهور هذا النوع من " الأحوال " في هذا الباب منذ العدد قبل السابق أثر لم نتوقعه، فعلى الرغم من الصعوبة البادية نتيجة عدم ألفة مثل هذه الكتابات ، وعلى الرغم من التهديد الذي قد يلوح للقارئ إذ يرى جانبا في نفسه لا يريد رؤيته ، إلا أننا شعرنا – بحق – ومن خلال التعليقات المحدودة التي تلقيناها أن هذه المغامرة لها ما يبررها، وأنها تتفق تماما مع هدف هذه المجلة ، وهو احتمال أن تكون للكلمة قوة التغيير فعلا.

ونعتذر للقارئ المنتظم (وقليل ما هم) أننا سوف نكرر كل مرة فكرة اللعبة في الهامش حتى يستطيع القارئ الجديد أن يتتبع الحكاية.

واللعبة جرت لنفس المجموعة التي أشرنا إليها في العدد قبل السابق.

وهي تتناول فكرة أن الإنسان – في قرارة نفسه – قد يقرر أن يقبل الذل، أو أن يسعى إليه،أو أن يستعمله على مستوى الإرادة الخفية، وذلك إلى درجة معينة، لكنّه قد يرفضه إذا زادت الحكاية، والمسألة تحتاج إلى وقفة تنظيرية قبل عرض الكشف الذي كشفته اللعبة... 

 

§         كتابتان وكتابتان ، عن : الفقد، والموت../ الأب الراحل – لا يرحل ، بل يتخلق دون استئذان

ألفت هذه المجلة منذ صدورها أن تنشر ما يصلها من صدق نابض ، دون التزام بالمقاييس الأخرى، وكنا نحتار في تسميته، وكنا نخاف أن يقاس بما ليس هو، (شعر?  قصة ? خواطر ?  أم ماذا ? )  وخرجنا من كل ذلك بحل هروبي رائع، وهو أن نسميه " كتابة "، ولم تكن نغمة الكتابة " عبر النوعية " قد سادت بعد.

وحين عاودنا الظهور، ونحن نحاول أن نحدد المحكات والمعايير، كدنا نفقد، ثم نفتقد ، هذا النوع البسيط الرائع، غير الملتزم إلا بصدقه، وحين أرسل لنا يوسف عزب هذه النبضات الموجزة عن تجربة عتاب الفقد وآلام اليقظة، تلكأنا في النشر حتى أن له أن يتساءل : هل أنا أنا ? وهل أنتم أنتم ?

ولما أرسلت إيناس طه خبرتها تحمل نفس التوجه فرحنا بحيوية النبض وصدق التجربة، وتذكرنا يوسف وقلنا فرصة نستعيد ما يميزنا.

الموت هو أصل الحياة، ولعلّه مبررها، والوعي بالموت إثراء لها والفقد هو النذير الذي يسمح لنا أن نعي معاني الانقطاع، والاختفاء، والتوقف.

لكن هل ما هي علاقة الموت بالفقد ? وهل صحيح أن من مات يختفي ? وما هذا اللوم الشديد على الترك ? أهو موت أم هجر ? وما حكاية التراكم ? وهل على الميت أن يوفينا الحساب قبل أن يفاجئنا بالهجر ? وما حكاية التراكم ? وهل على الميت أن يوفينا الحساب قبل أن يفاجئنا بالهجر ? ولماذا العتاب ? وكيف ? هل نفقد من مات أم نسترده ? ألسنا أقدر على التحكم فيه بعد أن سكت (ظاهرا ? ). فإذا جاءتنا كتابة صادقة حتى نخاع منطقة هذه الأسئلة، فلماذا نصنفها قبل النشر، وهل نجرؤ ألا ننشرها ?

ثم تذكرنا كتابتين أخريين كنا قد نشرناهما في سنتي 1982، 1994 (لحظة الفقد، بإمضاء "ه" وحسب، ثم "علاقة " الإيمان مرسال على التوالي )، الأولى كما يتضح من عنوانها في نفس منطقة الفقد، أما الثانية فهي تثري هذه المنطقة بشكل أو بآخر. وقد رأينا أن إعادة نشرهما مع يوسف وإيناس يناسب ويتكامل ويثري.. 

 

 

§         زهرة على القبر / يوسف عزب

أبي من فضلك

هل تسمح

أن أحيا بعدك ?

أبي ....برجاء الرد

....................

....................

....................

أبي ..... لماذا هربت ?

لماذا سافرت ?

لماذا هجرت ?

أنت خائن يا أبي

يا أبي أردت القول

أنك كنت

وأني يا أبي كنت

لكني أصبحت... 

 

§         قرابة الأربعين عاما / إيناس طه

كنت أسير على كوبري الجلاء

وأنا أفكر في كيفية الجلاء عن هذا العالم

من  منا يتعين عليه الموت قبل الآخر

هذا السؤال جاءت الإجابة عليه بعد نحو أسبوعين

لا...بعد قرابة أربعين عاما

مات هو قبلي.. رأيت موته

وكنت آخر من غادر حجرته

قبل أن يدخل في غيبوبته الأخيرة

كان وديعا في يومه الأخير

بدا طفلا كهلا عجوزا

ساعات وكان سيعبر عالمنا

إلى اللغز

لغز الموت

الآن مر عام على رحيله

البيت اكتسب شخصية أخرى

شخصيتي

ورغم ذلك فوجوده باق... 

          

§         لحظة الفقد / (ه.)

لم أفهم ولم أصرخ، فانشرح الداخل والخارج

وولدت تعاسة هائلة لا يخففها إلا دود القبر.

المصيبة وقعت مبكرا وكان الزمن الباقي كثيرا ومطلوبا شغله

لعبت وحدي ونجحت وأجبت وحيدة ثم ذهبت إليك

يا طبيب النفس فكرت وأعطيتني أبا بديلا.. طويلا...

 

 

§         علاقة  / إيمان مرسال

لم يكن في درجة الخاص

غير صور الأشعة التي تحدد مكان الخلل في رئتي

كان أيضا يحتفظ لي بأقلام تفاءلت بها في امتحانات الدولة

وبشهادتي الجامعية

ولم تكن عيناه المرهونتان

لخطوتي

ولا الأمان الذي يوهمني به كافيا

سوى لأن أتذكره كرائحة حميمة وعطنة