Arabpsynet

Livres  / كتــب /  Books

شبكة العلوم النفسية العربية

 

الأعمــال المتكاملــة

ترحالات يحيى الرخاوي

الترحال الثاني - الموت و الحنين

أ.د. يحيى الرخاوي

الناشر : مطبعة المدينة - 2000

E.mail : yehia_rakhawy@hotmail.com

 

q       فهــرس الموضوعــات /  CONTENTS / SOMMAIRE 

 

§          مقدمة

 §         قبل الفصل الأول: سفر آخر - (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل الأول: الموت: ذلك الشعر الآخر - (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل الثاني: ويا ليتني أستطيب العمى (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل الثالث: الجمال تتجدد طزاجته (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل الرابع: ممر حانة في عطفة مجهولة بلا هوية (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل الخامس: أوراق قديمة وأوراق مبعثرة (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل السادس: مسافر رغم أنفه(النص الكامل / Full text)

 §         الفصل السابع: الصلح خير (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل الثامن: هذا يتوقف على ماذا؟ (النص الكامل / Full text)

 §         الفصل التاسع: مفتاح الخزانة في كومة القش (النص الكامل / Full text)

 

q       تقديــم الكتــاب / PREFACE

 

  مدخـــل : عجزتْ أداة واحدة أن تستوعب "القول الثقيل " الذى ألقى علىّ. حملتُهُ. من خلال الجدل الحى بين ذاتى ومرضاى ودنياىَ، فلجأتُ إلى كل ما أتيح لى من أنغام وأشكال.

لم أكتب إلا مسودات، لذلك كنت  أنوى أن يكون العنوان"الأعمال الناقصة" وخاصة أن ترجمة        Collected     Worksأو  Collected Papers هى "مجموعة أعمال" أو "مجموعة أوراق" فلان، الأمر الذى لا  ينبغى أن يسمى كذلك أو ينشر بهذا الاسم، إلا بعد أن يكف صاحبها عن العطاء، أو عن الحياة.
 ثم قبل ذلك وبعد ذلك: هل يكتمل شىء أبدا؟
وحين آن أوان الحسم، قررت أن تخرج كل المحاولات كما وصلتْ إليه، ولتكتمل بعدُ أو تتكامل مع غيرها. فكان هذا العنوان "الأعمال المتكاملة"  أملا فى أن يكون  جمّاع المحاولة هو "توجُّهٌ ضام،  حولَ محورٍ ما".
 
* (رَحَل) عن المكان ـ رحلاً ، ورحِيلاً، وتَرْحالا،  ورِحلةً: سار ومضى.
وفى الحديث: "لتكُـفَّنَّ عن شتمه أو لأَرْحَلَنّك بسيفى".
(رَحّلـَةُ): جعله يرحل.
وفى الحديث: "عند اقتراب الساعة تخرج نارٌ من قمـر عـَدنَ تُرحِّل الناس".
(ارْتـَحـَلَ): رَحَلَ. وارتحل البعيرَ: جعل عليه الرَّحـْلَ. و ـ ركبه.
و ـ وارتحل فلانٌ فلاناً: علا ظهره .
وفى الحديث "أن النبى (ص) سجد فركبه الحـَسـَنُ فأبطأ فى سجوده، فلما فرغ سئل عنه فقال: إن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعْجِلَه".
(الراحلة): من الإبل: الصالح للأسفار والأحمال.
وفى الحديث : "تجدون الناس بعدى كإبل مائةٍ ليس فيها راحلة".
... ويقال: مشت رواحله: شابَ وضعُف.
(الرُّحـْلة): ما يرتحل إليه، يقال: الكعبة رُحْلة المسلمين، وأنتم رُحْلتى.
(الرَّحـُول): كثير الارتحال.
(الرَّحـِيل): الارتحال. و الرحيل القوىٌّ على الارتحال والسير.
(الَمرْحـَلـَة): المسافة يقطعها السائر.... بين المنزلين.
 (المعجم الوسيط)
"...، رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت ،
الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" .                  قرآن كريم.
 
وفى الاستعمال المصرى:
  "آصبر على جارك السوّ يا يرحل  ياتجيله مصيبة تاخده".
والترحيلة: هى تشغيل مجموعة من الفلاحين بعيدا عن بلدتهم الأصلية
           بأجور زهيدة، وبلا مأوى مستقل فى العادة.
وعمال التراحيل: فئة من الفلاحين اعتادوا العمل أساسا فى الترحيلة.
و" الحاجة اترحّلت من مكانها"، أى انتقلت إلى موضع آخر، حسن أو سىء.

 

تقديـــم : لم تنته الرحلة الأصلية مع الأولاد إلى الناس على الطريق. وهى ممتدة في هذا الترحال الثاني. لكن ما بين وقت الرحلة، وبين ما جد أثناء كتابتها حدثت أشياء، وتحدث أشياء، كان لا يمكن إلا رصدها، فلم تعد المسألة تقع بين أدب الرحلات وأدب السيرة الذاتية. تجاوز، هذا العمل هذا وذاك إلى ما أسميته "أدب المكاشفة"، وهو ليس مرادفا بالضرورة لأدب الاعتراف.

     يتبين لي مع نمو هذا العمل أن أدب المكاشفة- إن صحت التسمية- هو نوع من السيرة الذاتية الآنية". ذلك أنه بدا لي أنه لا معنى للحديث عن الماضي باعتباره مضى، أما الماضي الحاضر فينا الآن فهو الأصدق والأهم.

     أنا لا أومن بالتاريخ مصدرا للمعلومات، لكنه قد يصلح إشارات جيدة لما تبقى فينا من حضور فاعل، أو خامل.

     إن ما تجلى لي من خلال مثيرات السفر في بلاد الله لخلق الله، من ذكريات وتداعيات ومواجهات، ليس له معنى ولا مبرر لحكيه إلا إذا كان مطلقا لما يمكن أن يتكشف لي، فأبوح به مما وصلني من طبقات الوعي المتاح.

     سفر آخر فرض نفسه على بداية هذا الترحال الثاني، فغاص بي إلى طبقات أعمق، لم يخل منها الجزء الأول، لكن للرحيل بلا عودة شأن آخر.

     فقد رحل عنا والد ابنتي اللتين رافقتانا " في الجزء الأول: مايسة السعيد، ومنى السعيد. هو المرحوم الأستاذ الدكتور السعيد الرازقى. حدث هذا وأنا لم أنته من كتابة رحلتنا الأساسية فتداخلت مواكبتي له في سفر آخر، مع مواكبتي صحبة بنتينا وبقية أولادي وزوجتي رفقاء السفر الأول، ثم عجل هو إليه دوني.

     ثم وأنا أراجع التجربة (البروفة) الأخيرة رحل عزيز آخر، قلب عندي أكثر معاني الرحيل الآخر، هو د. حلمي نمر.

     أما الحنين الذي ألقى بظلاله على معظم هذا الترحال، فهو يتمثل في الإلحاح المعاود للاستجابة لجذب الركن الصغير القصي الواعد، هو حنين قد يعنى التمهيد للرحيل الآخر، أو هو الذي يلوح بوعد بالولادة الجديدة.

     أكتشف في هذا الترحال الثاني، وبالذات من خلال الحنين إلى "الركن " الذي ألح بشكل متكرر، أكتشف سر ما يسمى "برنامج الذهاب والعودة"، جوهر حركية الوجود.

     فحاولت أن أكاشفكم بما كان. قدر المستطاع.

 

q        قبل الفصل الأول: سفر آخر
 
سفرٌ آخر
جعلت أسألها محتجا، وكأنى أسأل نفسى، أو ربى، بصوت مسموع:
 "يا ست نعيمة، إشمعنى.. سعيد؟
 فتفاجئنى- بإيمان المصريين البسطاء - برد شديد الدلال ة:
و"اشمعنى غيرُه"؟
..........
ثم أصبح يختلط مع الدهشة نوع من الخجل اليقظ الطيب، فعلا:
" إشمعنى غيره؟  واشمعنى غيرى؟"

(15 ديسمبر 1985)
......حتى المذكَّرة الصغيرة التى سجلتُ فيها (بعد وصولى) التواريخ، وبضع كلمات عن كل يوم، هذه المذكرة غابت، وكأنها تعمدت الغياب، بعد أن علمت تغير المزاج، وصعوبة العودة، ولم يعد ثمَّ وقت للبحث عن شىء يبدو وكأنه لم تعد له أهمية فى الواقع. فالوقت غير الوقت، والإيقاع غير الإيقاع، وإن كان الالتزام واحدا، والورطة أشد.
كنت أنوى أن أسافر معهم  هذا الصيف (1985) فى رحلة قصيرة أثبـّت فيها ماجرى، أو أختبره. ولكننى عزفتُ حسما، وقبل أن يحدث ماحدث؛ ذلك أنى خفت أن أشّوه موقفى من السفر بالوقوع فى استدراج الاعتياد الترفيهى السخيف، كما خفت على الأولاد أن ينسوا حين تستدرجنا العادة، تحت وهم أملٍ فى فائدة مرجوة من  مواصلة التعرى فى مواجهة حضارة (ثقافة) أخرى، وناس أُخـَر، وعادات أخرى، وإيقاع آخر. أقول: إننى خفت منى، وعليهم، خفت من تسحب العادة، فالرفاهية، فالنسيان، فالاغتراب، فالعزلة عن الناس، ثم تصورُ الحق الخاص من الموقع الفوقى الأخص. خفت حتى أننى لم أستطع أن أستجيب إلى رغبتهم ورغبتى، على الرغم من الإلحاح،
أنا-حتى الآن- شديد اليقظة لألاعيب التبرير التى يبرر بها أمثالى مثل هذه الأسفار، سواء تحت دعوى "الحق فى الراحة" (قال "ماذا"؟)، بعد طول عناء!!. أم تحت دعوى (منظرة) المؤتمرات العلمية (السياحية الدعائية الاجتماعية) !! إلخ، وأخيرا تحت دعوى: فرصة "للحوار" الحضارى. (!!) -فقلت: "لا"، لا سفر الآن، على الأقل حتى أنهى كتابة (معايشة) ما كان فى الرحلة السابقة بما أنا فيه الآن، ثم نرى.
فجأة، حدث ماحدث،
فوجدت نفسى فى الخارج هذا الصيف، (صيف 85)، لكن الصحبة غير الصحبة، والسبب غير السبب، فى بلد غير البلد،
فرض سفرٌ آخر نفسه علىّ مع صديق رحـَلَ متعجّلا،
.......بدأت الأحداث المفاجأة فى يوليو 1985، وكنت بمحض الصدفة قد انتهيت مبكرا من كتابة الفصل السابق من هذه الرحلة (الفصل الأخير من الترحال الأول) فحمدت الله أنه  قد نفذ بالكاد من تحمل وطأة ما حل بى، منذ أن حدث ما حدث. حمدت الله أننى لم أضطر، وقتئذ  وأنا فى تلك الحال، إلى الالتزام بالإمساك بالقلم، أحركه كطن من الرصاص، أو أمسكه وقد تلبست أصابعى وعقلى ووجدانى جميعا بقفازات من الجبس الأسود.
لكن يبدو  أننى  استطعت أن أتسحب من ورائى؛ لأعاود حركة القلم، بدءا من القيام بالتزاماتى الراتبة منتهيا إلى التقاطات إشراقات البعث ، على الرغم من دوام نفس  الأحوال .
 فما هذه الأحوال؟
لى صديق أصيب بمرض نذل خفى، فوجدتُ نفسى بجواره جدا، مثل زمان. ثم تطورت  الأمور بسرعة أكبر، فوجدت نفسى مسافرا بجواره أكثر؛ حيث تصورنا - هو وأنـا - أن ثمة رؤية علمية طبية فى الخارج أدق، وأن ثمة فرصة علاجية أنجع.
 سافرنا فجأة، هو، و.. أنا.
 سافرتُ وأنا أشعر بعكس كل ما تعودت أن ألقى به السفر، هو يستند على جذعه دونى، بجهد جهيد، بل يكاد يطيـّب خاطرى ويطمئننى، وليس العكس، فهو  (أيضا) لم يستطع أن ينسى موقفه الأبوى المزمن الذى تلبّسه مُنذ كان طفلا، وهو لم يكن أبدا طفلا، و"أنا" أسير بجواره أتصور أنى أسانده، أو أسنده، فلا أفعل شيئا إلا أن يعتصرنى الألم بجواره، عاجزا، خائبا، لا أجرؤ على إعلان رفض المرض والعجز، ولا على قبولهما، فأكتشف خداعى لنفسى بعد طول ادعاء. فكم تصورت أنى أهيئ نفسى طول الوقت للنهاية الطبيعية لدورة حياة الفرد البشرى، وقد كان هذا هو حديثـنا المفضل معا فى وقت غير الوقت، حين كنا بعيدين عن المواجهة الصريحة لما نتحدّث عنه: "النهاية".
حين وقعت  الفأس فى الرأس: واجهْنا الاختبار الحقيقى، فإذا بنا نفاجأ بأننا نستغرب ما ليس غريبا، ليس غريبا بحكم مهنتنا، وليس غريبا بحكم ما نزعم من حكمة وبصيرة!!، فأىة غرابة فى المرض ونحن أطباء؟ وأىة غرابة فى العجز ونحن بشر؟ بل أىة غرابة فى الموت نفسه ونحن أحياء = كيانات بيولوجية محدودة العمر مهما طال؟. هل نحن غير الناس؟
نكتشف كم أن هذا الوهم كامنٌ داخل داخلنا دون أن ندرى: نحن - فعلا - نعتقد "أننا غير الناس". أية خدعة!! أى كذب.
 ضبطت نفسى متلبسا بذلك حين عدت مكسورا من هذه الرحلة بعد أن تبيّن ما تبين، وجعلت أسأل "حكيمة" صديقة، تعرف صديقى هذا، وكم أنه كريم طيب خدُوم عالم. طبيب حاذق رحيم ... إلخ، جعلت أسألها محتجا، وكأنى أسأل نفسى، أو ربى، بصوت مسموع، "يا ست نعيمة، إشمعنى.. سعيد؟!، فتفاجئنى بإيمان المصريين البسطاء برد شديد الدلالة: و"اشمعنى غيرُه"؟ فأفقت ُفجأة، ثم طويلا، وكلما عاودتنى الجملة دهشت لها وكأنى أسمعها طازجة تقال بصوت واضح لأول مرة. فأدهش من جديد، ثم أصبح يختلط مع الدهشة نوع من الخجل اليقظ الطيب، فعلا: إشمعنى غيره،  واشمعنى غيرى؟
 كلما قلـُقلـت ساخطا، أو حزنتُ مغيظا تذكرتكِ يا ست نعيمة وشكرتك وأنا أردد: "واشمعنى غيره"؟ لماذ  نتصور، نحن الأطباء، أو أى "نحن": أن لنا قوانين خاصة، وأمراضا خاصة، وعلاجات خاصة؟ ماذا فينا يستثنينا؟
كانت هذه حالى، لكنها لم تكن هى حال صديقى تماما، فهو أرق صبرا، وأعمق إيمانا، لكنه بشر طيب، وطبيب أستاذ، وأستاذ قدير، وتخصُّصه يكاد يكون فى نفس ما أصابه، مما لم نكن نعرف "تحديدا" قبيل السفر، وإن كنت ـ للأسف ـ كنت أعرف عن طبيعة ما أصابه أكثر منه.
صديقى هذا هو والد ابنتّى اللتين صاحبتانا فى الرحلة التى أكتبها الآن عن "الناس والطريق"، وقد كان حاضرا معنا طول الرحلة بشكل ما. حيث كنا نتذكره، ونسترشد بحكمته، ونرفض فرط تعقله، وندعوا له، ونتوعده، أنــا وابنته الصغرى"منى"، حين كنت أجرى بجوارها (فقد كنا ـ نحن الاثنين ـ نفضل الجرى على السير ما أتيحت الفرصة...). كانت هذه الصغيرة تذّكرنى أنها حين تعود، ستجعل والدها يغيـّر كثيرا مما "هو فيه"، فأقول فى نفسى: "بل مما اضطـُـر أن يكونه"، وأتساءل: أية فرصة فارقة بيننا وبين أولادنا؟ ولا أقبل أن أتصور أنهم (أولادنا) أحسن منا. قد يكونون أوفر حظا، لكنهم أقل ألما شريفا؛.
يبدو لى أن الألم- بجرعة مناسبة- هو حق لـلبشر مثل الدعة سواء بسواء، لكن يبدو أيضا أن نصيبنا- صديقى وأنا- من الألم والنسيان والإهمال كان أكبر من حقنا. وقد كنت أعلم ذلك وأخفيه طول الوقت، فكنت حين أنطلق، أو حين أصور للجميع أنى منطلق، كنت أفعل ذلك "إلا قليلا"، أو... (ولا تقل لأحد) ... إلا كثيرا. نعم، يتسحبُ بعيدا عنى ذلك الفرح الطفلى بسرعة وكأنه يتوارى خجلا أمام ذلك الجزء الغائص فى جوف وجودى، ذلك الجزء الحزين القابع وراء كل شىء، هذا الحزن المتربص يظل يجذبنى ضد كل فرحة، وحين تصورت أنى تغلبتُ عليه، أو على الأقل روّضته، عاد يلاحقنى، أو يتبعنى خلف كل انطلاق، وكل فرح، وكل ضحكة. فهو لم ينسنى أبدا، فلم أنسـَهُ مرغـما، بل إنى أصاحبه حتى الائتناس.
 أسأل صديقى هذا وقد عضنا الألم وعصرنا العجز، فرحنا نقطر مرارة على الرغم من ظاهر الابتسام. أسأله، فيجيبنى بحكمته المفرطة التى استسلم لها طول عمره (كارها إياها... دون أن يدرى). يقول لى ونحن نسير ببطء يعلن ثقل همومنا على سيقاننا، وهو يميل بأحد كتفيه ميلا خفيفا إلى ناحية (عادة أعرفها عنه من قديم، وليست بسبب ما أصابه مؤخراً، عادة  أميزه بها من بين الآلاف وهو قادم من بعيد) يقول، وقد حفّت بنا المرارة من كل جانب:
 ".. كنت أتحدث مع شقيقتى الكبرى، ونحن نبحث فى داخلنا عن ضحكة، أو آثار ضحكة، كتلك التى نراها على وجوه  أولادنا. فقالت شقيقتى أو قلت لها: يبدو أنه لا فائدة، فمن لم يضحك صغيرا، لا يعرف كيف يضحك، كبيرا، لقد راحت علينا... ولن نستطيع أن نفعلها مهما حاولنا.."
رحلتى مع صديقى سفر آخر، كما أن الموت شعٌر آخر .
هذا ما تعلمته  من أدونيس فى رثاء عبد الصبور.
لست واثقا إن كنت أستطيع أن أكتب هذا السفر كله أو بعضه  بالطلاقة نفسها.
من البديهى أننى لن أكتب على الموجة ذاتها التى كتبت بها تَرْحالى الأول.
 هل يا ترى  أستطيع أن أواصل الترحال إلى داخلى ـ خارجى، وأنا محمّل بكل هذا بعد ما كان ذلك كذلك؟.
حاولتُ أن أُظهر كيف قالت لنا حرافيش نجيب محفوظ أن وهم  الخلود هو أكذب كذبة، وأن روعة الوعى بالموت هو دفع الحياة  (نشرت هذه الدراسة فى مجلة فصول، ثم فى كتاب لى نشرته لى هيئة الكتاب عن بعض قراءاتى فى أدب محفوظ) كانت الفروض تقول:
" إن ملحمة الحرفيش  تريد أن تؤكد ماهية دورات الموت والبعث،"
" إن وهم الخلود بمعنى البقاء ثابتا فى المحل، أو مكررا في الفعل، هو عين السلب الساكن ، وهذا هو الخليق باسم الموت."
"إن الوعى بالموت هو الذى يعطى للحياة زخمها ويحافظ على دوراتها،  واستمرارها".
ثم عشت هذه التجربة : عشت فى صحبة الموت يمشى على أرجل. عايشت الموت خارجى وداخلى، كما عايشت الوعد بالبعث وأنا أغوص فى محاولة الكشف عن معنى هذا الحنين الملحّ إلى ركَنٍ قصىّ. لعل وعسى.
 
  q      الفصل الأول: الموت: ذلك الشعر الآخر
 
الموت: ذلك  الشعر الآخر
"يختل مجرى العمر والأمل،
(لماذا ياصديقى؟؟)
دائرةٌ ملتاثة:
(عَجـّـلتَ بالنهاية؟)
تقضمُ فى المجهول والمعلوم أنيابُ الظلام الجائعة،
(هل ضقتَ ذرعا باللجاج والجشع؟)
ثارت أجنة الخلايا تصطرع".
تعملقتْ فطرتك الأبيةْ
لم ترعَ عهداً، لا، ولمّا تنتظر
لــمْ نـقوَ بعدُ ياصديقى
(فيم العجالة والسام؟)
تقفز خلف الحدِّ، بعد العدِّ، تقتحمْ
ترجع نحو عشها اليمامةْ.
 
الأربعاء: 29 يناير 1986 ـ الساعة الخامسة وعشر دقائق (صباحا)
استأذنَ صديقى، والد إبنَتَـى رفيقتى رحلتنا هذه،
 استأذنَ أن يكمل رحلته وحده، بعد صراع، وعناد، وآلام، ورؤى، وحوارٍ أغلبه صامت، وكل هذا لا أستطيع ـ الآن ـ إهماله أو نسيانه أو إزاحته كما لا أجد عندى الشجاعة أو الأمانة لحكاية كل تفاصيله التى استغرقت أكثر من سبعة أشهر... جَمَعْنا فيها ـ هو وأنا ـ خلاصة عمرنا قولا وتذكرة، ثم عهدا، ورؤية.
منذ سافرتُ معه، ورجعنا كما سافرنا، وأكثر عجزاً، ونحن نجترّ أيامنا بهدوء شائك، هو: تعتصره الآلام، وأنا: يخيفنى العجز، حتى قرَّرَ، هكذا رأيت رحيله، فذهب دون إبطاء، ويبدو أن هذه لم تكن رؤيتى وحدى، فحين كتب شقيقه نعيه فى الأهرام حضَرَتـْـهُ آية كريمة صدّر بها النعى تفيد ما ذهبتُ إليه من تسارع صديقى للقاء ربه، صدّر النعى بالآية تقول: "وعجِلتُ إليكَ ربى لترضى"،
 رحل صديقى عجِلا إليه، رحل وتركنى وأنـا أعيش معه/فيه/به، بتقمص يحتد فيه وعيى فيهزنى حتى النخاع. أخطو بجواره مرتحلا إلى ما لم أحسب، مختبـِرا ـ من جديد ـ ما كنت أتصور أنى عرفته ظهرا لبطن، ألا وهو ما كنت أسميه ـ مثل الناس ـ "الموت"، فاذا بى لا أعرف منه، أو عنه إلا أقل القليل.
حين رحل صديقى، وما رحل، وجدت نفسى أحاول أن أواصل بدونه، بعيدا عنه، بالرغم منه، لكنى رحت أكتشف أنى أفتعل الأشياء افتعالا، وكأنى أزيح من على صدرى ثقلاً لابد أن أخـْترقه وأنا أتكلم ، وأنا أكتب، حتى وأنا أفهم، أزيحه بعيدا بما أستطيع، ولا أستطيع. أخذت أواجه اختبارا صعبا، حتى كدت أتوقف عن كتابة هذا العمل المنطلق. اضطرنى قلمى أن أعرج إلى هذا السَّـفر الآخر لأخصص هذا الفصل لرحلتى مع صديقى هذا، على الرغم من أننى كنت أفضل أن تأتى قرب نهاية العمل، استسلمت للقلم فاستسلم لى، ما دام الأصل فى هذه الكتابة هو حضورى مع القلم، لاحكايتى عن الحَدَث، فليُقُدْنى حيث شاء.
بدون تلكؤ أمسكت بالقلم حتى لا أتراجع، وللقارئ العتبى، أليس عذرا مقبولا أن أتقدم إلى رحاب وعيه بأقل قدر من التزييف والصناعة؟
هو "الموت"، الرحلة الأخيرة، والحقيقة الأولى، أو الوحيدة.
 كنت أردد دائما، ومن قبل هذه المحنة، أردد معه، ولنفسى، أنه كان من الجائز ألا أولد أصلا، ولكنى متى ولدت  فليس ثم احتمال ألا أموت...، ومع ذلك، فإن الجارى يكاد يعلن غير ذلك، إذ يبدو أن "حقيقة الموت" حقيقة نقولها،.. لا نعيشها، ولا نعايشها، اذ لانتعلم منها... بدليل أننا لا نتغير بها، وبعد أن رحل صاحبى، ونحن فى بؤرة الموعظة والإفاقة (هكذا بدا لى) قلت لصديق آخر، بمثابة تلميذى وإبنى أ.د. رفعت محفوظ، وهو حكيم صعيدى نقى، قلت له "لو أن واحدا بالمائة من حقيقة هذه الحقيقة بقى معنا.. لكفى،. " فرد التلميذ/أستاذى/ "رفعت" ردا صعبا "، قال:... بل واحد فى الألف"
واحد فى المائة، أو واحد فى الألف مـِـنْ ماذا؟
وأجيب: من "هذا".
السبت 25 يناير 1986
قال لى صديقى على وشك الرحيل وأنا جالس بجوار سريره، قال لى هامسا وكان قد اعتدل إلا قليلا، قال: "... لا أحد يفهم، قل لهم "كفى، دعهم يدركون" ـ وكأنى رددت عليه أن "حاضر" أو ماشابه، فقد كان يكفى أن نقول بلا كلمات، فنتفاهم، ولم يكن جديدا علىّ أو عليه هذا النوع من الحديث الصامت الذى بدأناه منذ عرف أحدنا الآخر فى عز الشباب، إن كان لشبابنا عز كما يعرفه الناس، كان دائما يذكـّر نفسه أمامى ـ فيذكّرٌنى ـ أنه أخذ أكثر مما حلم، وأنه كسب أكثر مما تصور، وأنه ترفّه أكثر مما يحتمـل، وأنه أمّـن ذويه بالمسكن والدخل المعقول بقدر ما ينبغى، وأنه علَّم طلبتهَ كل ما تعلم، وأضاف إلى علمه ما استطاع أن يبدع، لم يحبس حرفا، ولم يرُد طالبا، ولم يقمع فكرا، ولم يعِق منطلِقا، فهو تاركٌ حتما ما يفخر به أى عابر سبيل هذه الحياة المحدودة بطبيعتها، فلماذا الاستزادة من الأيام؟
ثم يستطرد على لسانى "إنه تارك وراءه ماهو أهم، تارك موقفا من هذه الحياة: من قرشها، وبحثها، وناسها، وأخلاقها... وهو موقف جدير بأن يهدى وينير. كلام واضح وصريح، وحقيقى، يعلم الله، إلا أنه كلام، والكلام فى هذه المواقف يبدو جميلا وصحيحا ومقنعا، لكنه كلام.
كيف يكفى الكلام وصاحبنا ـ الموت ـ يزحف فى غير صمت ولامسالمة. ليته يزحف خفيا خبيثا ثم ينقض، لكنّه يجر صاحبى سحلا على حشية من رماح مشرعة طول الوقت، كان الألم أصعب من كل أمر، من كل صبر، من كل حكمة، من كل موت.
ذات مرة من المرات الأخيرة، كان يعيد صديقى علىّ هذا الحديث، وكان مضطجعا على السرير فى الحجرة المشتركة فى فندق "هوليداى إن" على بعد خطوات من المستشفى (ماس جنرال) فى بوسطن، قال مثل ذلك الكلام الحكيم، وهو يهيئ نفسه للرحيل راضيا مرضيا، فأصدّقه ـ كالعادة ـ علّنى أصدق نفسى، قبل أن ينتهى من كلامه هجم عليه الألم الوقح، فتكاد تدمع عيناه فى صمت قابضا على وجهه فى صبر، فأشيح بوجهى عبر النافذة حتى لا يرى ما يتهمنى به "أنى خرع"، وأرجح أنه يشفق علىّ من تألمى لألمه، وليس يلومنى على خراعتى. اضطرب من واقع فشلى فى أن أعينه كما ينبغى، وماذا ينبغى؟ ماذا يمكن أن أفعل؟ هل أحاول تهوين ما لا يهون؟ هل أتصنع التماسك بجوار من يحق له أن يضعف وهو ليس بضعيف؟ هل أستطيع أن أقسّـم جرعة الألم فيما بيننا؟ ولا أجد إلا الصمت المحاوِر... فيصمت بدوره شاكرا. كأن الاعتراف بحجم العجز، مع استمرار صدق المحاولة، كان هو غاية المطلوب فى تلك اللحظة المكثفة.
فى صمتنا الناطق: نُراجع ـ كلانا ـ مقولته السابقة ونحن نتساءل: "الحسابات صادقة ودقيقة، والحمدُ حقيقى، والرسالة اكتملت، أو كادت، فلماذا الجزع؟"
يبدو أن ثمة فرقا بين أن تتحدث عن الموت "من حيث المبدأ" وأن تعيشه من حيث الواقع المتمثل، فرق بين أن تتكلم عن الموت، وبين أن تموت. إن ثم علما الآن اسمه "علم الموت" يفرق بين "الموت"Death و "أن تموت"، Dying.، هل رأيت التقدم؟ ؟ يا فرحتى !
أتصور أننا - صديقى هذا وأنا - حين كنا نتحدث عن الموت كنا نتحدث عن "مفهوم"، عن "إسم"، عن "صفة"، أما "نحن" "الآن" فنحن فى مواجهة "فعل" الموت، حال الموت (حالة كونه: يموت!) يبدو أن فعل الموت هذا هو هو، سواء فاجأنا من خلف ظهورنا، أم تقدم إلينا مواجهة بكل وقاحة و علانية، بكل ثقته وثقله، ونحن فى قمة الاستعداد لملاقاته، وأنظر فى عينى صديقى فأرى بجوار الحكمة والتسليم والرضا والصدق، أرى... الحياة تطل بحرص عنيد  ليس مثله شىء، وكأنها تذكرنا بزيف هذه الحكمة المدّعاة.
 أتذكر ونحن فى  فى مطار جون فوستر كنيدى (نيويورك)  وهو لا يكاد يقدِرُ أن يخطو خارج سلم الطائرة، ونحن نحاول أن نلحق بطائرة "باناميركان: بانام" إلى بوسطن حتى لا نغير المطار ـ وهو فى هذه الحال من الوهن والألم... أتذكّره يقول لى  ـ منكرا ـ بفضل دفع الحياة الآمـِـل: "والله يايَحيى ماعندى حاجة" وكان الوحيد الذى ينطق اسمى صحيحا بفتح الياء الأولى، كذلك كان ينطق لفظ "جَدى" بفتح الجيم"جَدى"، وكان شديد التعلق بهذا الجد الذى حفّظه القرآن تلاوة وفهما والتزاما وهو بعدُ طفلا، فبـكـّر فى حكمته، إذ ساهم فى سرقة طفولته، كان يحكى لى كل ذلك ليبرر كيف أنه" "كهل بالقوة"، "وكهل بالضرورة"، وأتعجب لمحاولته إنكار كل ماعنده من آلام، بل ومن حقائق مرضه التى ظهرت فى التصويرالمقطعى قبل السفر، ينكرهذا وذاك حتى على نفسه، إن استطاع، ثم راح يتمادى قائلا "ياخجلك من الأمريكان حين يثبتون لك أن كل هذا ليس إلا اضطرابا نفسيا، وأنك عجزت عن تشخيصه فضلا عن تطببيى، فتواجه خيبتك مرتين". أبتسم متمنيا هذه الخيبة كما لم أتمنّ شيئا من قبل. وإن كنت قد رفضت تماما أن أتصور ـ منذ البداية ـ أن صدىقى هذا ـ كما أعرفه ـ يمكن أن يبالغ فى آلامه (نفسيا؟!)،
صديقى هذا صاحبَ الألم النفسى والجسدى من أقدم القدم، منذ كان هو وأخته يمرّضان أمهما، وهو بعد صبيا وهى بعد غـَضـَّة لم تتفتح، وأمهما تمضى الليلة تلو الليلة تلهث جالسة بلا نوم من عجز القلب أن يدفع الدم من الرئتين، لا.. ليس هذا هو الرجل الذى يمكن أن يتأوه إلا إذا ضغط المرض على (أو انقض يلتهم) نسيج عصب حسى بكل القحة والتحدى، حمدت الله على تصوره خيبتى، وابتهلتُ راجيا: "من يدرى، لعلّها نفسية!!"؟ لكنى كنت أدرى، وهو ـ فى الأغلب ـ كان يدرى ويريد ألا يدرى،
أقول إنه رغم الحكمة والحمد والرضا والتسليم، كانت قفزات الحياة وطموحاتها تطل من عينيه مزيحة كابوس الموت الجاثم لبضع ثوان أو بضع دقائق، وحين أخذ المسكن الفعال لأول مرة، عادت إليه شهيته، وحدة تعليقاته، وحسم قراراته، وبعض ضحكه،
فى مستشفى ماس جنرال فى بوسطن تظهر نتيجة تحليل العينة فى اليوم التالى لوصولنا ونتيقن أن المسألة أخطر من كل حساب، فالعدو الخبيث قد انتشر، ليس إلى الكبد فحسب، بل إلى غدّة ليمفاوية فى الرقبة، هى التى أخذ منها الجراح العينة. كانت النتيجة من الحسم بحيث أثنت الأستاذ الدكتور الجراح الأمريكى المسئول عن أن يبحث عن أصل هذا الورم المفترس، لكن غبائى الدفاعى الناكر أصرّ على أن يسأله عن معنى ذلك، فراح الطبيب الجراح الحكيم يمط شفتيه فى يأس مهذّب وهو يرد على طلبى المزيد من التقصى أنه "وما الفائدة؟"
 وأحاول أن أخفى بعض الحقيقة عن صديقى، فيحاول أن يصدقنى علّنى أصدق نفسى، لكن الحوار الصامت الصريح كان يجرى بيننا من وراءنا، حتى أعلننى فجأة، كأنه ينفخ فى نفير نوبة الانصراف أنه:
 "أزفت الآزفة"
قلت له ": أكمل يارجل"
قال فى تلكؤ مقصود: "ليس لها من دون الله كاشفة".
قلت: "الحمد الله أن عندنا صمام أمن نتنفس من خلاله بعد أن يغلق الطب والعلم حساباتهما، فالله سبحانه وتعالى قادر أن يكشف عنا الضر بفضله.
 فيشير برأسه، كأنه يوافق، ولايرد.
وحين أختلى بنفسى تلاحقنى آية "أزفت الآزفة" فى تصعيد مدو ("أزفت الآزفة") حتى تملأ الحجرة، فالفندق، فالمدينة، فالأرض، فالكون جميعا، فأكاد أجرى فى كل اتجاه، وهى تلاحقنى:(أزفت الآزفة.."أزفت الآزفة"، "أزفت الآزفة". "أزفت الآزفة"..،) وحين لا أستطيع الهرب وهى تحيط بى من كل ناحية يهيج بىَ الشعر قبل أوانه، ألم أقل لكم أن الشعر مهرب مشروع، ولا أملك إلا أن أكتب بعض رثائه وهو بعدُ بجوارى، ولا أتورع أن أقرأه له، مسوّدة فجة، ـ كانت علاقتنا تسمح بهذا العمق وأكثر. يقول لى مشجعا وهو مازال يبتسم. "إنها ستكون سابقة مميزة لرحيلى حين أساهم فى نقد رثائى وأنا "ما زلت حيا".، قرأت له:
"يختل مجرى العمر والأمل،
(لماذا ياصديقى؟))
دائرةٌ ملتاثةْ
(عجـّـلت بالنهاية؟)
تقضمُ فى المجهولِ والمعلومِ أنيابُ الظلام الجائعةْ،
(هل ضقتَ ذرعا باللجاج والجشع؟)
ثارت أجنة الخلايا تصطرع".
فتدمع عيناه،
 ولا أستطيع أن أكمل القراءة بعد أن غاب صوتى،
 لكنه يصر أن أواصل، فأواصل:
تعملقتْ فطرتك الأبيةْ
لم ترعَ عهدا، لا، ولمّا تنتظر
...
لم نـقوَ بعدُ ياصديقى
(فيم العجالة والسام؟)
تقفز خلف الحد، بعد العد، تقتحمْ
ترجع نحو عشها اليمامةْ.
لا أجرؤ أن أنظر فى شعرى المسودة هذا ثانية أبدا، حتى أنى نسيته تماما إلى أن عثرت عليه بالصدفة وأنا أبحث عن الفصل الضائع (الرابع/العاشر أنظر بعد). أتذكر أُُنسى الحاج ومعركته مع فكرة السرطان والإشعاع النووى، فأرتعد من فكرة خالدة سعيد وهى تجسد رعب "الحاج" من هذا الزحف المفترس، ما أشد عجز الإنسان ووحدته، حتى جسده يسلمه ويخونه، الجسد يخون، نعم هذه خيانة، وخيانة نذلة، من سمح له أن يأخذ القيادة؟ من سمح للخلايا أن تجن؟ من سمح للحدود أن تنهار؟ خيانة!!، ولكن من يخون من؟ من يخون ماذا؟ ماذا يخون من؟ آه. (لماذا لم يستطع سعد اللله ونوس أن يصرع هذا الوغد المفترس ؟ خاطرلاحق أثناء المراجعة).
هو الموت يتقدّم بخطى واثقة، وإن كنت لا أعرف تحديدا كيف، ومن أين سيقطع شريان الحياة فى نهابة النهاية، ودعوت الله أن يلطف بنا فلا يثقل جسده، ولا يهين صورته، ولا يختبرنا وأهله بما لا نقدر عليه، وعلى الرغم من لطف ربنا وعفوه، فقد مرّت الخطى ثقيلة، والحسرة غائرة، والوعى شائكا، كما كان العجز أمام المرض الزاحف والألم الضاغط مخجِـلا طوال هذه الشهور السبعة، وحتى هذا الأسبوع المريع.
قبل هذا الأسبوع الأخير كان صديقى قد تماسك بعناد محبى الحياة ممن يواصلون العطاء والتجلد فى كل حال، فاستطاع أن يذهب إلى عيادته: يشخص الداء، ويصف الدواء، ويتقبل الود والدعاء من مرضاه المعترفين بفضله، وحين مررت عليه فى العيادة أدعم خطوته تلك بلقاء وحديث بعيدا عن تمديد السرير وعجز القربة الساخنة: جعل يتعجب ـ حامدا ـ من موقفه الطبى المعالِج، وهو لا يجد سبيلا إلى علاج نفسه، وأحاول أن أنتقل بالحديث بعيدا عن مواجهة العجز:
رحنا نتذكر تلك الليلة التى قضيناها فى بيت صديق لنا فى "نيوارك" (وهى بلدة بجوار نيويورك، لكنها ليست هى رغم تقارب الاسم كما يبدو)، حيث كان صديقنا هذا يعيش وحده بعد أن هجرته زوجته الإيطالية الأصل مصطحِـبة ولديه، ذلك أنه حين تكون فى أمريكا، إفعل كما الأمريكان، فما بالك وقد أصبح مضيفنا أمريكيا بالتجنس والتعود، إذن فقد فعلها بالأمريكانى وأكثر، فراح صديقنا المتأمرك د. عاطف غندر، يدفع ثمن مزاعم الحرية والغربة والرفاهية: انفصالا أسريا، فطلاقا موقوفا حتى يتفقا على قسمة شقاء العمر وعرق الغربة بينه وبين هذه المرأة (زوجته) التى يبغضها كما لم أره يبغض مخلوقا من قبل، كنت أعتبره لا يستطيع أن يبغض أصلا، يبغضها هكذا على الرغم من أنها أم ولديه الذين يقيمان معها ـ كل هذا وضحكتُه لا زالت تجلجل ـ كما اعتدناها من ثلاثين عاما فى منزل نواب المنيل فى قصر العينى، مازالت تجلجل فى منزله الخالى حتى من الأمل.
كان زميلنا هذا د. عاطف غندر قد أبلغ اثنين من زملائنا المصريين (المتأمركين أيضا) بوجودنا وبسبب وجودنا كذلك. اتفقنا أن نلتقى جميعا عنده ذلك اليوم، فحضرا من أطراف القارة لنعيش ليلة من ليالى منزل النواب (58/1959). نعيشها سرقة من وراء الموت الزاحف، ونحن محاطون بأجواء الألم المروَّض مؤقتا بالمسكنات والذكريات.
السبت 3/8/1985
كنا خمسة، صديقى المريض السعيد الرازقى والمضيف د. عاطف غندر، وزميلنا القادم من شيكاغو حاملا معه كل ريح "ساقية أبو شعرة"(موطنه الأصلى!) د. أحمد رشيد، ثم د. محمود شعلان أخصائى الباثولوجيا الإكلينيكية. على ما أذكر،وزميل رابع (لم يكن من زملاء بيت النواب)، كان قد حيل بينه وبين مواصلة الدراسة معنا عاما بعام. حين مُنح أجازة إجبارية (إخوانية) فى معتقل ناصرى لمدة عشر سنوات خرج بعدها يعدو إلى أى مكان فى العالم إلا مصر، حتى صار أمريكيا رغم أنفه، لكنه أمريكى معمم دون عمامة، وهو ما زال إخوانيا (ربما رغم أنفه كذلك)، وكان مازال لا ينادى أيَّا مِنّا الا بـ "يا مولانا".
رحت أطيل الحديث عن تلك الليلة عّلنىّ أنسيه فراغ عيادته بعد أن كانت تعج بالمرضى، فهم لم يعلموا بعودته بعد، ويقول لى هل لاحظتَ أن أحدا من زملائنا هؤلاء ـ فى أمريكا ـ لم يتغير على الرغم من عشرات السنين، وأقول له إنهم لابد يقولون عنا مثل ذلك.
ويذكـّرنى حين كنّا فى نيوارك كيف راح احمد رشيد، صديقنا "الجلدى الجراح (جراحة الجلد أصبحت تخصصا حديثا!!) يحكى لنا ذكرياته فى قريته التى تعيش معه فى أمريكا، وكيف أن هذه الذكريات ظهرت نابضة، وكأنها جاءت معنا من مصر ليعيشها صاحبنا من جديد، ذكريات أثار بعضها أننا جلسنا معا فى تلك الليلة، فى بيت مضيفنا عاطف غندر، نأكل على الأرض، نغمس من طبق واحد، فجعل يحكى لنا أحمد منطلقا بلهجته ذات الرائحة الريفية الأصيلة التى لم تتغير، وكأنه لم يغادر قريته إلى المركز فضلا عن القاهرة، فأمريكا، يحكى بتصوير دقيق حتى كدنا نرى حكايته ماثلة أمامنا.
حكى أحمد رشيد ونحن جلوس على الأرض أنه ذات يوم وهو بعد طالب ثانوى، حين كان فى ساقية أبو شعره، وقد اجتمع (مثلما نحن مفترشين الأرض) مع أولاد عم له حول طبلية محدودة المحتوى، راح ابن عمه الأكبر ينهر أخاه هامسا أنه "ماتحـفّش يادسوقى"، ربما إكراما للضيف الذى هو صديقنا، أو توفيرا للطعام حتى يكفى الجميع، لكنّ أخاه ولا هو هنا، فيكرر الأخ الأكبر مغيظا أكثر: "ماتحـفّش يادسوقى"، ودسوقى يمضى فى مهمته بجد أكبر، فيهيج ابن العم الناصح المجامِل، ويهجم على البيض المقلى مشمرا ساعده ممسكا بلقمة طرية تكاد تزيد عن نصف رغيف حالفا أنه "طب علىّ الطلاق لانا حافف"، وتستعـر المنافسة بين دسوقى وإبن العم، أما ثالثهم ـ صديقنا أبو تيريك ـ فقد راح فى الرجلين ضحية هذه المنافسة التى لم يـُـدْعَ للاشتراك فيها، فلم يلحق شيئا مما فى الطبق.
كان أحمد رشيد يحكى لنا الحكاية وكأنه يعيشها الآن بكل تفاصيلها، ياه!! هو أحمد رشيد، مازال هو هو، رغم الزوجة الأمريكية والإبن الطفل "تيريك"، اسمه طارق لكن زوجته الأمريكية لا تسستطيع أن تنطقه إلا هكذا، فحذا حذوها وإلا ارتبك الطفل الذى لايعرف جملة عربية واحدة، وحين قلت له: إذا كان هو مازال هكذا كما هو، فلماذا لا ينزل مصر على مدد متقاربة، فيأخذ جرعات منشطة من هذا الوجدان الأعمق؟ فيضحك احمد ويجيب حاكيا أنه :
حين نزل فى المرة الأخيرة (منذ عدة سنوات) نزل فى بيته، بيت أمه، فى ساقية أبو شعرة (عادى)، وكان قد حضر بجواز السفر الأمريكى، فإذا به يعلم أن عليه أن يبلغ السلطات ، أى رئيس النقطة في القرية !! (أو شيئا من هذا القبيل) أنه ينزل عند أمه، أو إن شئت الدقة: كان على أمه أن تبلغ السلطات بواقعة "إيواء أجنبى"، ويستمر فى الضحك مشيرا إلى نفسه "... أنا؟ على قبة فرننا؟ أجنبى؟؟!" ويسوى الأمور مع السلطات حتى لا تنزعج أمه، ويظل يحكى ويحكى وكأنه يريد أن يتأكد أنه مازال قادرا على كل هذه الطلاقة بالعربية، أو كأنه يفرغ مخزونا طال حبسه وراء أسوار لغة أخرى، ورموز أخرى ("يا").... ("يا")... بتثقيل الياء وميل الألف قليلا!!)، وأسأله: "وهل تحلم يا أحمد  بالعربية؟، أم بالأنجليزية؟" فيسكت للمفاجأة، ثم لا يجيب، كأنه يدفعنى بعيدا حتى لا أعرّى نومه فى غربته.
يتدخل زميلنا "الاخوانى" شارحا: كيف أن الأنسان منا مهما طالت غربته "يامولانا" فهو معجون بماء النيل من تراب مصر، و (لهذا) فهو يطلب أن نبحث له عن عروس مصرية، وزميلنا الأخوانى فى سننا، (أوائل العقد السادس) ـ ونكتشف أنه لم يتزوج بعد، وما أن يعلننا برغبته فى أن نبحث له عن عروس حتى يضحك الزميلان المتأمركان، فندهش أنا وصديقى السعيد، ونتبين بالسؤال أن "مولانا" هذا لا يقابل مصريا يعرفه فى أمريكا، أو قادما من مصر، إلا ويمارس معه هواية أن يوظفه له خاطبة خاصة، ويا ويل من يأخذ المسألة جدا، لأن "مولانا" هذا لا يتعدى مرحلة نية الخطوبة أبدا، وهو لم يذهب حتى لمشاهدة أية عروس رشحت له، وكأنه لم يستطع بعد أن يزيل آثار العدوان الناصرى على وجدانه، وانتمائه، وأمانه، وآماله، فتقطعت حباله مع الوطن إلا من زيارة (تخفف عبء ضرائبه بادعاء المشاركة فى مؤتمر أو إلقاء محاضرة). كما تقطعت حباله مع أسرته الأصلية الأولى إلا من مساعدات مادية رمزية يرسلها بين الحين والحين، وأيضا تقطعت حباله قبل أن تبدأ مع أسرة مزعومة ينشئها فى خياله بمشاريع الخطوبة المجهضة، ومع كل الضحك والتذكرة بهروبه المتكرر، فقد أصر أن يعطينى عنوان أخيه فى القاهرة، فضلا عن تليفونه شخصيا فى أمريكا، لأتصل به فور عثورى على العروس، وكأنها فرصة ستسنح لتختفى، فأضحك بدورى بعد أن عرفت اللعبة المكررة، ويضحك سعيد وهو فى قمة معاناته ملء تاريخنا معا.
بدا  لى حينذاك كأن هذا اللقاء قد مسح المرض وأوقف زحفه، فضلا عن تخفيف الألم أو محوه، وأتمنى أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة، وألا نسافر، وألا نعيد الفحص، وألا نعالج، وألا نفكر، وألا نسأل، أتمنى أن نظل فى هذه اللحظة تحت تأثير المسكن الكميائى والذكرياتى معا حتى يأذن الله فى أمرنا جميعا، معاً.
ونتذكّر كيف تطرق الحديث تلك الليلة إلى أحوال زملائنا فى أمريكا، وأنكش أحمد رشيد أن يحكى لنا بطريقته عن نظام العيادات الجماعية التى يشارك فيها، وكيف قلب الأمريكان كل شئ إلى "أعمال" تجارية ((Business فيقول إن مصر هى أسبق فى شطارة رجال الأعمال بلا منافس.
 ويحكى لنا أحمد وكأنه ما زال فى ساقيه أبو شعـرة مهارة أول رجل أعمال أعجب به فى مصر، وتعلّم منه ما نفعه فى أمريكا. حيث الشطارة فى أمريكا هى رأس المال الحقيقى. يحكى أحمد:
هو بائعٌ طاهٍ عند حاتى الحسين، كان يتحايل بذكائه وحسن تسويقه أن يبيع الزبون (صاحبنا) ما يجعله لا يُرجع له باقيا من البريزة، فمحل "كل كبدة ومخ زين، واقرا الفاتحة للحسين" كان يبيع سندوتش الكبدة بستة قروش، ولكن رجل الأعمال الحسينى يظل يستدرج صاحبنا يغريه بإضافة بعض البطاطس المقلية، والحلويات السمينة، ثم حبة الطماطم هذه بالثوم والشطة التى تفتح نفسه وتستاهل فمه، المهم ألا يرد مليما من البريزة الصحيحة.
وأنبـّه أحمد معابثا أنى كنت أسأله عن رجل الأعمال الذى يدير عيادتهم الجماعية بالقرب من شيكاغو فإذا بنا فى سيدنا الحسين، فيضحك حتى يستلقى، فتهتز سلسلة ذهبية حول رقبته وهى تتدلى بشكل ظاهر من قميصه المفتوح حت