Arabpsynet

أبحاث أصيلة / Original papers

شبكة العلوم النفسية العربية

 

أفضليـة استخـدام اليـد وعلاقتهـا بالوظائـف المعرفيـة لدى عينـة من طلبـة الجامعـة

(دراسة نيوروسيكولوجية مقارنة)

د. سامي عبد القوي، أستاذ علم النفس العصبي، جامعتي عين شمس والإمارات

 

q       النص الكامل / Full text / Texte  entier 

 

ملخص البحث:

  أجريت الدراسة بهدف التعرف على الفروق بين طلبة الجامعة في الوظائف المعرفية في ضوء كل من الجنس، والتخصص الدراسي وأفضلية استخدام اليد. وكذلك التعرف على ما إذا كان هناك تأثير دال للتفاعل بين هذه المتغيرات الثلاثة على الوظائف المعرفية أم لا. وقد تكونت عينة الدراسة من 200 من طلبة الجامعة موزعة إلى مجموعتين متساويتين حسب الجنس، ممن تراوحت أعمارهم بين 18-25 سنة بمتوسط قدره 20.43 عاماً، ومن تخصصات دراسية مختلفة، وكان من بين أفراد العينة 144 طالباً وطالبة ممن يستخدمون اليد اليمنى بنسبة 72%، و56 طالباً وطالبة ممن يستخدمون اليد اليسرى بنسبة 28%. وقد استخدمت الدراسة مجموعة من الأدوات لقياس الوظائف المعرفية (اختبار بنتون للاحتفاظ البصري، إعادة الأرقام، ترتيب الصور، اختبار التعقب أو توصيل الحلقات)، بالإضافة إلى أداة أعدها الباحث لقياس أفضلية استخدام اليد. وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق دالة بين الجنسين في معظم الوظائف المعرفية لصالح الطلاب، وكذلك بين طلبة الكليات النظرية والكليات العملية لصالح الأخيرة. كما أوضحت النتائج وجود فروق بين أنماط استخدام اليد في الوظائف المعرفية، ووجود تفاعل دال بين كل من التخصص الدراسي وأفضلية استخدام اليد في التأثير على بعض الوظائف المعرفية (الذاكرة الفورية والتنظيم المكاني وسرعة الاستجابة)، وتفاعل دال بين الجنس واستخدام اليد في التأثير على القدرة على التخطيط والتنظيم البصري، كما تبين وجود أثر دال للتفاعل بين استخدام اليد والتاريخ الأسري لاستخدام اليد اليسرى على الذاكرة البصرية المكانية.

 
مقدمة:

  منذ أن اكتشف بول بروكا (Broca) المنطقة المسؤولة عن الكلام عام 1861 والتي تقع في النصف الأيسر من المخ لدى معظم الأفراد، وحتى الآن مازال اهتمام علماء النفس العصبيين يتزايد لمعرفة المزيد عن مدى التناظر الوظيفي Functional Laterality للمخ، وخاصة في مجال الوظائف المعرفية. ويعتبر فهم العلاقة بين وظائف المخ وتركيبه وبين سلوك الفرد ووظائفه المعرفية واحداً من الأهداف الرئيسية في العلوم العصبية Neurosciences. ومن الطرق غير المباشرة المستخدمة في دراسة هذا الموضوع الاعتماد على مجموعة من الأفراد الذين يفضلون استخدام يد بعينها في معظم أنشطتهم اليومية، وذلك للاستدلال منها على سيادة أي من نصفي المخ.

    وعلى الرغم من كل الأسئلة التي طرحها الباحثون حول وظائف المخ البشري وعملياته، فإن السؤال الأكثر أهمية والذي مازال غامضاً ومحيراً ومطروحاً حتى الآن هو السؤال المتعلق بمدى موضعية هذه الوظائف، وبمدى علاقة هذا التموضع بأفضلية استخدام اليد. وعلى الرغم من أن العديد من الدراسات أشار إلى أن النصف الأيسر للمخ هو النصف المسؤول عن وظيفة اللغة (Kolb & whishaw, 1990; (Bishop,1990;Hylton & Hartman, 1997; Alworth,2000) إلا أن الدراسة التي قدمها بادوفاني وزملاؤه (Padovani et al.,1992) كما يقول أرون (Aaron,1996) على مريض ممن يستخدمون اليد اليسرى وكانت لديه إصابة في النصف الأيسر من المخ، أوضحت انعكاساً أو انقلاباً للتناظر المخي Reversed laterality إذ لم تظهر لديه أي إصابة لغوية أو حبسة كلامية، مما يشير إلى أن هذا النصف لم يكن النصف المسؤول عن الوظائف اللغوية. وفي ضوء هذه النتيجة أوضح بادوفاني أن هذا الانعكاس في التناظر قد يرجع إلى أفضلية استخدام اليد. وتعني هذه الملاحظة أن استخدام اليد اليسرى ارتبط بسيطرة النصف الأيمن – وليس الأيسر- على الوظائف اللغوية، وهو الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في سيطرة أي من نصفي المخ على وظائف اللغة.  ويأتي ذلك في سياق ما أشارت إليه بعض الدراسات من وجود متصل من تفضيل اليد، وأن هذا المتصل يتنوع ويختلف كوظيفة تعددية Function of diversity  لبناء وتركيب المخ بدلاً من ثنائية أيمن وأيسر (Haeley et al., 1986; Witelson & Goldsmith, 1991; Holder, 1992; Annett, 2001).

   كما تبين أن الذين يستخدمون اليد اليسرى Sinisterals يوجد لديهم تمثيل ثنائي للوظائف المعرفية في نصفي المخ Bihemispheric بصورة أكبر من الذين يستخدمون اليد اليمنى Dextrals، وهذا التنوع في اللاتناظر الوظيفي يرجع إلى حجم الجسم الجاسيء *Corpus Callosum مما يتسبب في تواصل النصفين، والذي قد يكون له دور في انعكاس التناظر، وهو ما يسمى بالسيادة الشاذة Anomalous Dominance وهو مصطلح يشير إلى زيادة السيادة الثنائية أو المشاركة والتعاون القائم بين النصفين (Witelson & Goldsmith,1991; Cornish, (1996; Kathleen & Eliassen,1998).

    ويعد بروكا أول من ربط بين اللاتناظر الوظيفي للمخ وبين أفضلية استخدام اليد، وخاصة في مجال اللغة، وإن كانت معظم استخلاصاته توصل إليها في هذا الصدد من خلال دراسة حالات لأفراد يستخدمون اليد اليمنى وتوجد لديهم إصابات في النصف الأيسر من المخ، إلا أن ملاحظتين إكلينيكيتين هامتين تم رصدهما لدى من يستخدمون اليد اليسرى: الملاحظة الأولى أن بعض هؤلاء الأفراد توجد مراكز اللغة لديهم في النصف المعاكس من المخ (النصف الأيمن كما يقول بروكا)، أما الملاحظة الثانية فهي وجود مراكز اللغة لدى البعض الآخر في النصف الأيسر، إذ تبين ظهور اضطرابات في اللغة بعد إصابة النصف الأيسر لدى هؤلاء الأفراد وليس النصف الأيمن الذي يفترض أن يكون مسؤولاً عن اللغة، وهي الحالة المعروفة باسم الحبسة المعكوسة Crossed aphasia. وتشير هاتان الملاحظتان إلى أن مفهوم استخدام اليد اليسرى Left handedness لا يعني بالضرورة مضاد استخدام اليد اليمنى Right handedness (Springer & Deutsch, 1999,p. 18) ومن ثم فإن مفهوم أفضلية استخدام اليد قد لا يكون بالضرورة مؤشراً لسيادة أي من نصفي المخ، ولا يعد ارتباطاً ضرورياً لذلك (Aaron, 1996).

 
الإطار النظري:

  يعد مفهوم النصف الكروي القائد Leading Hemisphere (النصف الذي يوجه السلوك) الذي طرحه جاكسون  Jackson لأول مرة عام 1886 النواة الأساسية التي بُني عليها مفهوم السيطرة المخية Cerebral Dominance الذي يعني أن المعلومات الحسية تدخل إلى حد كبير- إلى أحد نصفي المخ، وهذا النصف هو الذي يتعامل معها ويقوم بتشغيلها، ويوجه السلوك في ضوئها بشكل أساسي. والحقيقة أن الدراسات التشريحية والوظيفية التي أجريت على الحالات المرضية المختلفة أوضحت مدى صدق هذا المفهوم، الأمر الذي أدى إلى كشف المزيد من تناظر وظائف اللغة، ومعرفة النصف المخي الأكثر سيطرة على هذه الوظيفة. كما أدت الاكتشافات العلمية في هذا المجال إلى ظهور العديد من الاختبارات التي تقيس السيطرة المخية (سامي عبد القوي، 2001: 137 ، Beaumont et al., 1984; McCallum, 1981; Spinelli & Mecacci, 1990; Springer & Deutsch, 1999)).

   ويعتبر النصف المخي الأيسر هو النصف السائد Dominant لدى غالبية الناس (85-90%) وهم الأفراد الذين يستخدمون اليد اليمنى في الكتابة، بينما تكون السيادة للنصف الكروي الأيمن في 10-15% من الأفراد، وهم الذين يستخدمون اليد اليسرى في الكتابة. ومع ذلك فلا توجد سيادة مطلقة، بل إنها مسألة نسبية لأن كل نصف يلعب دوراً في كل سلوك تقريباً. كما أن هناك تكاملاً بين نصفي المخ في كل الوظائف، وإذا كانت الوظيفة تتركز في نصف ما، فإنها توجد أيضاً في النصف الآخر، ولكن ليست بنفس الدرجة والكفاءة (سامي عبد القوي 1994Holder, 1992, Schold, 1998,  Springer & Deutsch, 1999).

   إن نصفي المخ متشابهان إلى حد كبير من الناحية الشكلية، ولكنهما يختلفان بشكل جوهري في تركيبهما ومن ثم في وظائفهما. فعلى سبيل المثال فإن حجم النصف الأيمن أكبر قليلاً من حجم النصف الأيسر، كما أن المنطقة السمعية في الفص الصدغي الأيمن أكبر من نظيرتها في الفص الأيسر، الأمر الذي يفسر الفروق بين الفصين فيما يتعلق بوظائف اللغة والوظائف الموسيقية. ويرتبط نصفا المخ من الناحية التشريحية بالعديد من الألياف الترابطية، أكبرها مجموعة الألياف المعروفة بالجسم الجاسيء، بالإضافة إلى مجموعة الألياف التي تربط بين كل فصين متناظرين، وبين الفصوص المختلفة في كل نصف، مما يشكل دائرة منتظمة من الاتصالات تعمل على التكامل الوظيفي للمخ بشكل عام،  فالأفراد  يستخدمون النصفين في العديد من المواقف، وإن كان يغلب عليهم استخدام نصف دون آخر في بعض المواقف (Witelson, 1985; Witelson & Goldsmith, (1991; Kolbe & Whishaw, 1990; Holder, 1992; Kathleen & Eliassen, 1998).

   أما من الناحية الوظيفية فمن الفروق المعروفة والواضحة بين النصفين ما يتعلق بالوظائف الخاصة بالسيطرة الحركية Motor control، فالنصف الأيمن من المخ يسيطر على حركة النصف الأيسر من الجسم، والنصف الأيسر من المخ يسيطر على حركة النصف الأيمن من الجسم (سامي عبد القوي، 2001: 141Jonathan,1998,). وترى بعض الدراسات ارتباط النصف الأيمن بالمهارات الحركية، بينما يرى البعض الآخر ارتباط النصف الأيسر، ويرى البعض الثالث ارتباط كل من النصفين بهذه المهارات. ويرى (Tan & Kutlu, 1992) أن النصف الأيمن يمثل عاملاً مهماً في تحديد مهارة اليد اليمنى لدى من يستخدمون هذه اليد. وربما يكون ذلك فيما يتعلق بالمهارات الحركية الكبرى، بينما المهارات المتعلقة بالفراغ واللمس والتآزر الحركي البصري ترتبط بشكل أفضل بأعضاء الجانب الأيسر(في محمد الشيخ، 1999). وترى آنيت (Annett, 1985) أن بعض المهارات الحركية كارتداء الملابس أو القبض على الأشياء والمشي لا تعتمد على نصف واحد وإنما ترجع هذه المهارات إلى مجموعة من الخطط التي تعود إلى كلا النصفين.

   وبالإضافة إلى هذه السيطرة الحركية توجد العديد من الاختلافات الوظيفية الجوهرية بين نصفي المخ. فقد أوضحت الدراسات التشريحية والخبرات الإكلينيكية أن كل نصف من نصفي المخ يتخصص في بعض الوظائف المعرفية، ويتعامل مع المعلومات بطريقة مختلفة عن النصف الآخر. فالنصف الأيسر يتخصص في تشغيل المعلومات اللفظية بالتحليل والترتيب والتجريد، كما أنه النصف المسؤول عن اتخاذ القرارات المعتمدة على المنطق، بالإضافة إلى كونه النصف السائد والمسيطر على العمليات الحسابية والقراءة والكتابة والكلام، فهو يميل إلى التعامل مع الرموز والكلمات والحروف والعمليات الحسابية المعقدة، والمهارات الرقمية، بالإضافة إلى التعرف على الألوان والأدوات، والمهارات العلمية، والتعرف على جانبي الجسم. ويفضل أصحاب هذا النصف الأعمال اللفظية والحسابية، ويملكون القدرة على التعبير عن أنفسهم بطريقة جيدة. ويقوم هذا النصف عادة بتحليل المعلومات بطريقة خطية Linear  حيث يبدأ بالتعامل مع الأجزاء، ويجمعها بطريقة منطقية، ويعيد ترتيبها حتى يصل إلى الخلاصة أو النتيجة. كما أنه يقوم بتشغيل المعلومات بطريقة تدريجية أو تتابعية Sequential فيميل إلى عمل الخطط والجداول اليومية، ويستمر في أداء مهامه الفرعية حتى ينتهي من المهمة الرئيسية. لذلك يسمى بالنصف اللفظي التحليلي المنطقي والواقعي (سامي عبد القوي، 2001: 139(Spinelli & Mecacci, 1990;  Rodriguez et al., 1994; Aaron, 1996; Kathleen & Eliassen, 1998.

    أما النصف الأيمن فيسيطر على الوظائف غير اللفظية، وينفرد بالوظائف المرتبطة بالحدس والانفعال والإبداع والخيال، وله دور أكبر في تحليل وتحديد الأشكال ثلاثية الأبعاد وخاصة من خلال الإدراك اللمسي، أو ما يسمى بالقدرات المكانية البصرية Visuospatial للعالم المحيط، كما يقوم بتشغيل المعلومات والمواد المصورة والموسيقية، بالإضافة إلى الاستجابة للمثيرات الوجدانية، ولذلك يطلق عليه النصف غير اللفظي، الحسي، الحدسي، والانفعالي (Rodriguez et al., 1994; Annett, 1998c). وعادة ما يعمل هذا النصف بطريقة كلية Holistic في تشغيل المعلومات بادئاً من الكل إلى الأجزاء (طبيعة جشطالتية)، كما أنه يقوم بالوظائف التي تتطلب تقييمات كلية للموضوعات والسلوكيات. ويتم التعامل مع الأجزاء بطريقة عشوائية فينتقل من جزء إلى جزء دون خطة واضحة. ويتعامل بصورة أفضل مع الأشياء العيانية الحسية، وليست الرمزية. ويستطيع الفرد الذي يستخدم هذا النصف أن يصل إلى نتائج حدسية، ولكنه لا يستطيع أن يقدم إجابات عن طريقة توصله إلى هذه النتائج. وعادة ما تعوزه القدرة على التعبير عن نفسه بطريقة صحيحة، إذ أنه لا يجد الكلمات المناسبة (سامي عبد القوي 2001: 138 Annett, 2000,).

    وعلى الرغم من أن اللاتناظر الوظيفي الذي شرحناه آنفاً يوضح مدى تخصص كل نصف من نصفي المخ في وظائف بعينها، إلا أن هذا التخصص ليس مطلقاً. بمعنى أن بعض الوظائف تعتمد بشكل أساسي على نصف دون الآخر، ويسمى هذا النصف بالنسبة لهذه الوظيفة بالنصف السائد Dominant hemisphere ويصبح النصف الآخر غير سائد بالنسبة لنفس الوظيفة. والحقيقة أن هذه التسمية فيها تبسيط كبير لأن العمليات الوظيفية في أغلبها عمليات تكاملية وتعتمد على النصفين معاً. وبعض الوظائف كاللغة مثلاً لها ارتباط حصري في النصف الأيسر لدى معظم الأفراد، إلا أن النصف الأيمن يستطيع في ذات الوقت أن يسهم بشكل ما في هذه الوظائف.  وقد أشارت معظم الدراسات النيوروسيكولوجية إلى أن للنصف الأيمن دوراً لا يمكن إغفاله في وظائف اللغة، وأن هناك تكاملاً بين النصفين في هذا الشأن على وجه الخصوص (Gabbard,1997; (Annett,1998a,b,c,1999; Kathleen & Eliassen, 1998; Springer & Deutsch, 1998).

    أما عن مفهوم أفضلية استخدام اليد فقبل أن نتعرض له نود أن نشير إلى الجانب التاريخي المتعلق باستخدام اليد بشكل عام. فقد كان استخدام اليد اليمنى يشير دائماً إلى المهارة، التي تشتق من كلمة Dexterous  أي ماهر، ومنها تأتي كلمة أيمن Dextral (يستخدم اليد اليمنى). وفي المقابل فإن كلمة (أعسر أو أيسر) Sinister (أي يستخدم اليد اليسرى) كانت تستخدم عادة في اللغة الإنجليزية بمعنى شرير، وإن كان أصلها في اللاتينية يعني (أعسر). ولذلك فقد كان يُنظر من الناحية التاريخية لاستخدام اليد اليسرى على أنه شيء غريب أو غير عادي. كما كان هناك تعصب ضد من يستخدم اليد اليسرى، فعادة ما كان يُنظر إلى هؤلاء الأفراد على أنهم في مرتبة أقل. بل إن العديد من الثقافات القديمة والحديثة تنظر لاستخدام اليد اليسرى على أنه إشارة إلى الشيطان. ويأتي وضع خاتم الزواج في اليد اليسرى تعبيراً عن رغبة الأزواج في إبعاد روح الشيطان الذي يريد أن يهدم عش الزوجية. وفي اليابان يرى بعض الأزواج أن استخدام المرأة ليدها اليسرى يعد سبباً كافياً لطلاقها. وفي بعض القبائل الأفريقية يمنع الرجال المرأة من أن تعد الطعام بيدها اليسرى لأن ذلك قد يسبب لهم التسمم (Kolb & Whishaw, 1990; Springer & Deutsch, 1999).

    ويرجع مفهوم تفضيل اليد Hand Preference أو اليدوية Handedness  إلى بول بروكا P. Broca الذي اعتبر أن استخدام اليد وعلاقتها باللاتناظر المخي يمكن أن يكون طريقة بسيطة وغير مكلفة تساعد الأطباء على تحديد سيطرة أي من نصفي المخ على وظائف اللغة. ولا يوجد تعريف علمي محدد لكلمة استخدام اليد Handedness ، وفي اللغة العامة يعني المفهوم اليد التي يستخدمها الفرد في الكتابة، وفي المجال العلمي يزداد الأمر غموضاً، فالبعض يستخدمه للإشارة إلى اليد التي يستخدمها الفرد ويكون أداؤه بها سريعاً ودقيقاً على الاختبارات اليدوية. والبعض الآخر يستخدمه للإشارة إلى اليد التي يفضل الفرد استخدامها بغض النظر عن نوعية الأداء، والبعض الثالث يعني به اليد التي تستخدم في معظم الأنشطة اليومية (Annett,1999,2000)، ومن ثم تتعدد تعريفات المصطلح وتتحدد بالأغراض المستخدم فيها.

  وترى هولدر (Holder,1992) أن فرضية العلاقة بين أفضلية استخدام اليد والتناظر المخي أو السيادة المخية مسألة تم تبسيطها على نحو مبالغ فيه، ويبدو هذا واضحاً لدى بعض الأفراد العسر الذين يستخدمون اليد اليمنى في العديد من الأنشطة التي لا يقوم بها مستخدمو اليد اليمنى. وترى هولدر أن أحد الأسباب الرئيسية في هذا الخلط هو عدم وضوح التعريفات الخاصة بأفضلية استخدام اليد، وقصور تعريفها على أن اليد المفضلة هي اليد التي يستخدمها الفرد في الكتابة، وهو أمر يضيق من المفهوم، ومن ثم يزيد الغموض في فهم هذه العلاقة. إن تفسير العلاقة بين استخدام اليد والسيطرة المخية لأحد نصفي المخ علاقة لا يسهل تفسيرها في كثير من الأحيان ويصعب التعرف على أسبابها (Van Strien & Bouma, 1996; Annett, 1999). ومن ثم فإن الارتباط بين أفضلية استخدام اليد وسيطرة نصف معين من المخ ليس مسألة قاطعة كما يعتقد البعض لأول وهلة. ومن أهم الأسباب التي توضح هذا الغموض أن حوالي ما بين 70-90% من الأفراد لديهم سيطرة للنصف الأيسر، ومعظم هؤلاء الأفراد يستخدمون اليد اليمنى، ومع ذلك توجد بينهم نسبة تستخدم اليد اليسرى في العديد من الأنشطة. وفي ضوء ذلك فإن مسألة السيطرة المخية لا تسير وفق قانون الكل أو اللاشيء، كما أن بعض الأفراد يستخدمون اليدين Ambidextrous بنفس الكفاءة (Jonathan, 1998)، فهل يعني هذا أنه لا توجد لديهم سيطرة لأي من نصفي المخ إذا ما اتبعنا نظرية أفضلية استخدام اليد؟.

 

النظريات المفسرة لأفضلية استخدام اليد:

   هناك مجموعة من النظريات التي تحاول أن تفسر تفضيل الأفراد لاستخدام يد دون الأخرى في الكتابة، منها النظريات  الوراثية، النظريات البيئية، النظريات التشريحية، والنظريات الهرمونية النمائية. وتشير النظريات الوراثية إلى وجود جين سائد Dominant Gene يحدد استخدام اليد اليمنى، وجين متنح Recessive يحدد استخدام اليد اليسرى، وإن كان البعض يرى أنه يوجد جين لاستخدام اليد اليمنى ولا يوجد جين لاستخدام اليد اليسرى. وفي حالة غياب الجين الخاص باستخدام اليد اليمنى فإن اختيار اليد المفضلة يكون عشوائياً. وتشير الدراسات إلى أن نسبة الأطفال الذين يستخدمون اليد اليسرى لآباء يستخدمون اليد اليمني تكون 2%، وترتفع هذه النسبة إلى 17% في حالة ما إذا كان أحد الوالدين يستخدم اليد اليسرى، وإلى 46% إذا كان الوالدان أعسرين (Kolb & Whishaw, 1990). ومن النظريات البيئية التي تفسر أفضلية استخدام اليد نظرية الضغوط الوالدية Parental Pressures Theory والتي ترى أن استخدام اليد اليمنى يعود للضغوط التي يمارسها الآباء على الأطفال لاستخدام اليد اليمنى وليس اليسرى، فهم يعلمون أبناءهم ذلك منذ الصغر، ويعاقبونهم إذا ما استخدموا اليد اليسرى، مما يضطر الطفل إلى الإذعان واستخدام اليد اليمنى (Kolb & Whishaw, 1990, Lewis (& Haris, 1990, Van Strien & Bouma, 1996  Springer & Deutsch, 1999).

   وتشير النظريات التشريحية إلى أن استخدام اليد اليمنى يرجع إلى النضج المبكر والسريع للنصف الكروي الأيسر، كما أن الدراسات التشريحية أثبتت وجود المنطقة المعروفة باسم Plenum Temporal  بشكل أكبر في النصف الأيسر عنها في النصف الأيمن، وأن هذا الفرق لا يظهر عند الولادة فقط، وإنما يمكن رؤيته أثناء الحياة الجنينية (Kolb & Whishaw, 1990; Witelson & Goldsmith, 1991; Annett, 1992).

  أما النظريات الهرمونية فأشهرها شيوعاً نظرية جيشويند وجالابادورا (Geschwind & Galabadura, 1987) والتي ترى أن هرمون الذكورة يلعب في المرحلة الجنينية دوراً أساسياً في تحديد وتعديل التناظر المخي، ويكمن الهدف الرئيسي في هذه النظرية في شرح الارتباط القائم بين جنس الذكور واليدوية اليسرى Left handedness باعتبار أن الذكور أكثر استخداماً لليد اليسرى من الإناث، ومن ثم نجد أن الذكور أكثر تفوقاً في وظائف النصف الأيمن بما في ذلك المهارات المكانية والبصرية المكانية، كما أنهم عادة ما يشغلون الوظائف التي تحتاج إلى مهارات هذا النصف مثل الهندسة والمهن الموسيقية، والوظائف الفنية الأخرى. بينما تتفوق الإناث أكثر في مهارات النصف الأيسر بما في ذلك المهارة اللغوية والمهارات اليدوية. وتفترض النظرية أن هرمون الذكورة يؤخر نضج بعض أجزاء النصف الأيسر، ونتيجة لذلك تنخفض المهارات اللغوية عند الأفراد الذين يستخدمون اليد اليسرى، وهو ما يفسر انتشار صعوبات القراءة لدى هؤلاء الأفراد. كما يسمح الهرمون بزيادة نمو النصف الأيمن مما يدعم من المهارات الأساسية الموجودة في هذا النصف مثل المهارات البصرية المكانية Visuospatial skills والقدرة الحسابية. ويؤدي التفوق الناتج للنصف الأيمن إلى سيطرة هذا النصف للوظيفة الحركية أيضاً، ومن ثم الميل لاستخدام اليد اليسرى في النشاط الحركي.  وتحاول النظرية أن تربط بين التناظر المخي وعلاقته بالسلوك، وبين الاضطرابات النمائية التي تحدث عند مستخدمي اليد اليسرى، فهم أكثر عرضة للعديد من الأمراض كالذاتوية Autism، وصعوبات القراءة، واللعثمة، واضطرابات المناعة، والتخلف العقلي (Geschwind & Galabadura, 1989; Bryden et al., 1994; Cornish, 1996; Springer & Deutsch, 1999).

   والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من خلال عرض النظريات السابقة أننا لم نعرف بعد أسباب أفضلية استخدام اليد اليمنى، بل إن هذه النظريات لم تحل لنا اللغز، وإنما زادته تعقيداً، فالأسباب متنوعة، والمسألة متعددة الجوانب، والأمر لا يمكن أن تحسمه نظرية واحدة من هذه النظريات. فاعتبار استخدام اليد اليمنى أمراً محدَداً وراثياً يعد نوعاً من التحيز، لأنه في حالة إصابة وتوقف اليد اليمنى عن الحركة لأي سبب من الأسباب، يمكن لليد اليسرى القيام بكل المهارات التي كانت تقوم بها اليد اليمنى، ومن ثم فهي تملك نفس المهارات. ويبقى أن نشير إلى أن كلاً من النظرية التشريحية والهرمونية قدمت لنا تفسيرات أقرب للصواب، وأكثر ارتباطاً بالنتائج التي نتوصل إليها من خلال دراسة الجهاز العصبي في علاقته بالوظائف المعرفية. ويرى الباحث أن الأمر يحتاج إلى مزيد من المعرفة واكتشاف العلاقات المنظمة للمخ البشري المعقد، وكل هذه الأمور تمثل واحداً من التحديات الأساسية لعلم النفس العصبي.

 

·         مشكلة البحث وأهميتها:

    في ضوء الخلاصة السابقة يرى الباحث أن موضوع أفضلية استخدام اليد في الكتابة فقط مسألة لا يمكن الاعتماد عليها في تحديد السيادة المخية، ومن ثم السيطرة الوظيفية. ويحتاج الأمر بالتالي إلى مزيد من البحث خاصة وأن معظم الدراسات التي أجريت حول العلاقة بين اليدوية والوظائف المعرفية أوضحت نتائج متناقضة، فقد أشار بعضها إلى أن الأعسرين مظلومون إذا ما قارناهم بمن يستخدمون اليد اليمنى فيا يتعلق بالوظائف أو القدرات غير اللفظية، بينما أشارت دراسات أخرى إلى عكس ذلك. وقد يرجع هذا الأمر إلى عدم الانتباه الكافي وعدم الدقة في تحديد وتصنيف أفضلية اليد، واستخدام محكات تختلف من دراسة إلى أخرى، كما أن هناك عوامل لم توضع في الاعتبار كالجنس ووجود أو غياب تاريخ أسري خاص باستخدام اليد اليسرى، ومستوى التفكير  (Annett, 1992).

  وتحاول الدراسة الحالية أن تتناول مفهوم تفضيل استخدام اليد بشيء من التفصيل، لأن أفضلية استخدام اليد ليست مطلقة بمعنى أن يكون الفرد أيمن أو أعسر فقط، بل يمكن اعتبارها متصلا، خاصة وأن توصيف اليدوية Handedness في معظم الدراسات يتم على أنها متغير منفصل Discrete variable لليمين واليسار، على الرغم من أن العديد من الباحثين اتفقوا على أنها متغير متصل اعتماداً على استبيان آنيت الذي يقول بأن هناك درجات للأفضلية (Annett,2001). كما أن معظم الدراسات التي تناولت موضوع اليدوية وعلاقته بالوظائف المعرفية اقتصر على صعوبات القراءة (John & Martin, 1997)، يضاف إلى ذلك أن مفهوم أفضلية استخدام اليد لا يعد مرادفاً لمفهوم  السيادة المخية، إذ يشير الأول إلى اليد الأكثر استخداماً  في الأنشطة اليومية، بينما يشير الثاني إلى مدى تخصص أي من نصفي المخ في السيطرة على وظائف بعينها، كما أن استخدام اليد ليس بالضرورة يعكس هذا التخصص. كما تحاول الدراسة الحالية التعرف على مدى تأثير تفضيل استخدام اليد على الوظائف المعرفية لدى طلبة الجامعة.

    ويمكن صياغة مشكلة البحث في التساؤلات التالية:

  1. هل توجد فروق جوهرية بين الذكور والإناث من طلبة الجامعة في الوظائف المعرفية؟.
  2. هل تختلف الوظائف المعرفية باختلاف التخصصات العلمية لدى طلبة الجامعة؟.
  3. هل تختلف الوظائف المعرفية باختلاف أنماط أفضلية استخدام اليد لدى طلبة الجامعة؟.
  4. هل يوجد تفاعل دال بين الجنس والتخصص الدراسي وأفضلية استخدام اليد على الوظائف المعرفية؟.
  5. هل يوجد تفاعل دال بين الجنس والتاريخ الأسري لاستخدام اليد اليسرى على الوظائف المعرفية؟.

 

  وتأتي أهمية الدراسة الحالية من ثلاث نواح: الأولى أن النظم التعليمية المستخدمة لدينا عادة ما تهتم بوظائف النصف الأيسر على حساب وظائف النصف الأيمن، إذ أنها تهمل عادة الوظائف والمهارات التي يقوم بها هذا النصف، وكأن هناك نوعاً من التحيز الإنساني للنصف الأيسر واستخدام اليد اليمنى، الأمر الذي يلقي بظلاله على ما تقدمه جامعاتنا من مناهج دراسية، وما يتطلبه ذلك من تغيير في طبيعة هذا المناهج بما يسمح بتنمية مهارات كل من نصفي المخ. والناحية الثانية أن هذه الدراسة يمكن أن نعتبرها الدراسة العربية الأولى –على حد علم الباحث- التي تتناول موضوع أفضلية استخدام اليد وعلاقته بالوظائف المعرفية، ليس من منطلق ثنائية أيمن وأيسر، وإنما من اعتبار استخدام اليد يمثل متصلاً للأفضلية يقع على طرفيه أيمن وأيسر، وبينهما طيف من التعددية في الاستخدام. كما أن معظم الدراسات العربية تناولت أنماط السيطرة المخية -وليس أفضلية استخدام اليد- ولم تهتم بدراسة الوظائف المعرفية النوعية. والبعد الثالث والأخير الذي تستمد الدراسة الحالية أهميتها منه هو إعداد أداة عربية لقياس تفضيل استخدام اليد تتجاوز الأداة الوحيدة الموجودة بالفعل على المستوى العربي.

 

·         الدراسات السابقة:

    في عرضنا للدراسات السابقة سنعرض لبعض الدراسات التي تناولت أنماط التعلم والتفكير Styles of learning and thinking (والتي يقصد بها استخدام الفرد للنصف المخي الأيمن أو الأيسر أو كلا النصفين في العمليات العقلية المعرفية) لدى طلبة الجامعة، على الرغم من أنها قد لا تمت بشكل مباشر للدراسة الحالية ولكنها تلقي الضوء على طبيعة الدراسات التي تناولت هذا المفهوم الذي يقترب بنا من مفهوم السيطرة المخية من الناحية الوظيفية. كما لم يستطع الباحث الحصول على أي دراسة عربية في مجال علاقة أفضلية اليد بالوظائف المعرفية.

   ومن الدراسات العربية التي حاولت التعرف على أنماط التعلم والتفكير لدى طلاب وطالبات الجامعة في الكليات المختلفة، والفروق بين التخصصات العلمية في هذه الأنماط قدم سليمان (Soliman,1989) دراسة على 400 من طلبة جامعة الكويت (200 طالباً، 200 طالبة) بهدف معرفة الفروق بين الجنسين في أنماط التعلم والتفكير، وضمت العينة طلبة من كليات علمية ونظرية. وتم تطبيق مقياس تورانس لأنماط التعلم والتفكير، وأشارت النتائج إلى سيطرة النمط الأيسر والنمط المتكامل لدى كل من الطلاب والطالبات، ووجود فروق دالة بين الجنسين على النمطين الأيمن والأيسر في اتجاه الذكور، وعلى النمط المتكامل في اتجاه الإناث.

   ولنفس الغرض تقريباً وباستخدام نفس الأداة قدم  البيلي (Al-Biali, 1993) دراسة على 190 من طلبة جامعة الإمارات لبحث العلاقة بين النصف المستخدم في التفكير والتعلم وبين كل من الجنس والتخصص الأكاديمي. وضمت العينة 86 طالباً، 104 طالبة ممن تتراوح أعمارهم بين 19-24 عاماً، بمتوسط عمر قدره 21.4 سنة. وتوزعت العينة على كلية العلوم بأقسام البيولوجي والفيزياء والكيمياء (88 طالباً وطالبة)، وعلى كلية العلوم الإنسانية بأقسام التاريخ والاجتماع (102 طالباً وطالبة). واستخدم الباحث مقياس تورانس لأنماط التعلم والتفكير. وأشارت النتائج إلى حصول كل من الذكور والإناث على درجات مرتفعة على النمط المتكامل، ودرجات أقل على النمط الأيمن، بينما حصلت الإناث على درجات أعلى في النمط المتكامل مقارنة بالذكور الذين حصلوا على درجات مرتفعة على النمط الأيسر. كذلك حصل طلبة الكليات العملية والنظرية على درجات مرتفعة على النمط المتكامل مقارنة بالنمط الأيمن. كما حصل طلبة الكليات النظرية على درجات مرتفعة على النمط المتكامل والنمط الأيسر مقارنة بطلبة الكليات العملية. ولم توجد أي فروق دالة بين الجنسين على النمط الأيسر، بينما كانت هناك فروق دالة بين الجنسين في النمطين المتكامل والأيمن في اتجاه الذكور للنمط الأيمن، وفي اتجاه الإناث على النمط المتكامل.

   وفي نفس السياق ولنفس الهدف وبنفس الأداة أيضاً ولكن على بيئة مختلفة قدم علي مهدي وعامر حسن (1999) دراسة على طلبة كلية التربية بجامعة قار يونس. وقد تكونت عينة الدراسة 75 طالباً وطالبة تخصص أدبي، و56 طالباً وطالبة تخصص علمي. وقد استخدمت الدراسة مقياس تورانس لأنماط التعلم والتفكير، وأظهرت النتائج سيطرة دالة للنمط الأيسر على كل من النمطين الأيمن والمتكامل، ولم توجد أي فروق دالة حسب متغيرات الجنس والتخصص والسنة الدراسية.

   وعن العلاقة بين نصفي المخ وحل المشكلات قدم البيلي (Al-Biali, 1996) دراسة على طلبة جامعة الإمارات  بلغ قوام عينتها 78 فرداً (32 طالباً، 46 طالبة) ممن تراوحت أعمارهم بين 18-29 عاماً، بمتوسط عمر 22.6 سنة. وطبق الباحث اختبار تورانس لأنماط التعلم والتفكير، والنسخة الكمبيوترية من اختبار برج هانوي Tower of Hanoi Task لحل المشكلات، وقسم الباحث عينة الدراسة إلى ثلاث مجموعات حسب النمط المخي السائد في التفكير والتعلم (نمط أيمن، نمط أيسر، نمط متكامل). وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق دالة بين مجموعات الدراسة في حل المشكلات في اتجاه أصحاب النمط الأيسر عند مقارنتهم بالمجموعتين الأخريين، وفي اتجاه أصحاب النمط المتكامل عند مقارنتهم بأصحاب النمط الأيمن.

  وعن طبيعة تفضيل استخدام نصفي المخ في سن ما قبل المراهقة، ونوعية العلاقة بين هذا التفضيل والتآزر البصري الحركي الفردي والثنائي، قدم محمد الشيخ (1999) دراسة على تلاميذ الصف السادس الابتدائي بدولة الإمارات ضمت في عينتها 102 تلميذاً، و103 تلميذة من الصف السادس الابتدائي ممن يستخدمون اليد اليمنى في الكتابة، وتم تقسيم هذه العينة إلى ثلاث مجموعات وفقاً لنمط التعلم والتفكير (نمط أيمن- ونمط أيسر- ونمط متكامل) وطبق عليهم اختبار التآزر الحركي البصري. وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق دالة بين استخدام النصف الأيسر أو النصف الأيمن أو النصفين معاً وذلك لصالح استخدام النصفين معاً. كما تبين وجود علاقة ارتباطية دالة وسالبة وضعيفة بين النصف الأيمن والتآزر البصري المنفرد. ولم توجد فروق بين المجموعات الثلاث في كل من التآزر البصري الحركي المنفرد والثنائي. أما من حيث متغير الجنس فقد أوضحت النتائج فروقاً دالة بين الذكور والإناث في السيطرة المخية في استخدام النصف الأيمن فقط لصالح الذكور، وفروقاً دالة بينهما في التآزر البصري الحركي بنوعيه الفردي والثنائي لصالح الإناث.

  وإذا كانت الدراسات السابق ذكرها لم تتعرض لمفهوم أفضلية استخدام اليد تأتي دراسة علي الديب (1994) باعتبارها أقرب الدراسات لهذا المفهوم، إذ أنها تناولت أداء الأفراد الذين يستخدمون اليد اليسرى ومدى اختلافهم عن الذين يستخدمون اليد اليمنى في أنماط التعلم والتفكير. وتكونت عينة الدراسة من 33 طالباً ممن يكتبون باليد اليسرى، و52 طالباً ممن يكتبون باليد اليمنى من طلاب كلية المعلمين بعمان تراوحت أعمارهم بين 19-22 عاماً. واستخدمت الدراسة مقياس تورانس لأنماط التعلم والتفكير. وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود ارتباط دال وموجب بين النمط الأيسر وكل من النمط الأيمن، والنمط المتكامل، وكذلك بين النمط الأيمن والنمط المتكامل وذلك لدى كل من الطلاب الذين يكتبون باليد اليمنى، والطلاب الذين يكتبون باليد اليسرى. كما تبين وجود فروق دالة بين المجموعتين في نمط التعلم الأيسر ولصالح من يستخدمون اليد اليمنى، ولم توجد أي فروق بين المجموعتين في كل من النمط الأيمن والنمط المتكامل. وبالنسبة لمجموعة الذين يكتبون باليد اليسرى فقد تبين وجود فروق دالة فيما بينهم على النمط الأيسر- والنمط الأيمن لصالح النمط الأيسر، وهي نتيجة غير متوقعة، كما تبين وجود نفس الفروق بالنسبة للذين يكتبون باليد اليمنى.

  أما الدراسات التي تناولت أفضلية استخدام اليد بشكل واضح فكانت دراسات أجنبية. وفي محاولة لفهم العلاقة بين استخدام اليد وصعوبات القراءة،  قدم كورنيش (Cornish, 1996)  دراسة على عينة بلغ قوامها 711 فرداً من طلبة الجامعة (393 ذكراً، 318 أنثى) بمتوسط عمر 21.17 سنة، وانحراف معياري قدره 4.68. وتوزعت العينة على كليات عملية ونظرية مختلفة تعتمد الدراسة في كل منها على وظائف نصف معين من المخ. وتم تقسيم العينة إلى مجموعتين: الأولى تمثل طلبة مهارات النصف الأيمن كالرياضيات (من كلية العلوم)، والقدرات المكانية (كلية الهندسة)، بينما تمثل المجموعة الثانية طلبة مهارات النصف الأيسر وهي الوظائف اللغوية (طلاب أقسام علم النفس والاجتماع والقانون). واستخدمت الدراسة مقياس آنيت لأفضلية اليد Annett Hand Preference Questionnaire ، وتم تقسيم الأفراد من حيث أفضليتهم لاستخدام اليدين إلى 4 مجموعات: أيمن نقي Pure Right، وأيسر نقي Pure left، وأيمن مختلط Mixed right، وأيسر مختلط Mixed left. وتم توجيه سؤال واحد لكل الطلبة هو (هل عانيت من اللعثمة من قبل؟) إشارة إلى صعوبات القراءة. وأشارت النتائج إلى عدم وجود تفاعلات دالة بين أفضلية استخدام اليد والجنس واضطراب اللغة، بينما كان هناك تفاعل دال بين اليدوية واضطراب اللغة وخاصة لدى العُسر النقيين، حيث أشار معظم هؤلاء الأفراد إلى وجود صعوبات قراءة لديهم بنسبة بلغت أربعة أضعاف ما أقرته كل من مجموعة (أيمن مختلط) و (أيسر مختلط). ولم توجد أي علاقة دالة بين الجنس واليدوية وهي نتيجة تأتي عكس ما أظهرته الدراسات الأخرى من وجود ارتباط بين جنس الذكور واستخدام اليد اليسرى، وقد أرجعت الدراسة ذلك إلى أن عينة الدراسة تمثل عينة طلاب الجامعة ولا يمكن التعميم منها على مجموع السكان.

  وقدم جونز ومارتن (Jones & Martin, 1997) دراسة بهدف التعرف على مدى تأثير اليدوية على وظيفة الذاكرة اليومية Everyday memory وذلك على عينة مكونة من 160 فرداً، مقسمة إلى مجموعتين متساويتين: الأولى من الأفراد الذين يستخدمون اليد اليمنى والثانية ممن يستخدمون اليد اليسرى. وقد اعتمد الباحثان في تحديد استخدام اليد على توجيه السؤال التالي إلى المفحوصين (بأي يد تفضل الرسم؟). وتم قياس الذاكرة اليومية عن طريق طلب تم توجيهه إلى كل مفحوص بأن يتذكر الاتجاه الذي تنظر إليه الملكة اليزابيث الثانية والمرسوم وجهها على العملة الإنجليزية (والذي تنظر فيه إلى الجهة اليمنى)، وعلى طوابع البريد (والذي تنظر فيه إلى الجهة اليسرى). وأشارت النتائج إلى أن 26.3% ممن يستخدمون اليد اليمنى أجابوا إجابة صحيحة في مقابل 46.3% ممن يستخدمون اليد اليسرى وذلك بالنسبة للعملة، بينما أجاب 73.8% ممن يستخدمون اليد اليمنى إجابة صحيحة مقارنة بنسبة 65% ممن يستخدمون اليد اليسرى وذلك بالنسبة لطوابع البريد. وكانت الفروق دالة بين المجموعتين مما يشير إلى تأثير أفضلية استخدام اليد (سيطرة نصف المخ) على الذاكرة اليومية، وأن من وظائف النصف المخي الأيمن الذاكرة غير اللفظية (صورة الملكة).

وأخيراً تأتي دراسة آنيت (Annett, 1992) والتي بحثت فيها العلاقة بين أفضلية استخدام اليد والقدرة المكانية، من خلال دراستين فرعيتين: الأولى على عينة من 459 طفلاً من تلاميذ الصف الرابع (228 ذكراً، 231 أنثى) تم تقسيمهم إلى 7 مجموعات فرعية وفقاً لمقياسها لأفضلية اليد، واستخدمت مجموعة من المهارات المكانية مثل مهمة ثقب الورق Hole punching task، واختبار القدرة المكانية لعمل مطويات من الورق بأشكال معينة. وأشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود فروق دالة بين مستخدمي اليد اليمنى واليد اليسرى في القدرة المكانية، ولكن تبين وجود فروق دالة في هذه القدرة عند إجراء تحليل تباين لمجموعات الدراسة السبع، وتُعزى هذه الفروق إلى أفضلية استخدام اليد، ولم يوجد أي أثر لتفاعل دال بين استخدام اليد والجنس.

  أما الدراسة الفرعية الأخرى فكانت على 428 من طلبة الجامعة (96 طالباً، 322 طالبة) بمتوسط عمر بلغ 20.6 سنة، من تخصصات مختلفة. واستخدمت الدراسة نفس المقياس التي أعدته آنيت لأفضلية اليد لتقسيم العينة الكلية إلى سبع مجموعات فرعية وفقاً لهذه الأفضلية، واختبار ري لاستدعاء الأشكال المعقدة Rey Complex Figure Test. وأشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود فروق دالة بين مستخدمي اليد اليمنى واليسرى في الذاكرة البصرية المكانية، بينما ظهرت الفروق الدالة بين المجموعات الفرعية بسبب أفضلية اليد والجنس في اتجاه الذكور، مع وجود تفاعل دال بين هذين المتغيرين.

 

تعليق على الدراسات السابقة:

    من خلال عرضنا للدراسات السابقة يمكننا أن نصل إلى مجموعة من الاستخلاصات نوجزها فيما يلي:

  1. إن معظم الدراسات العربية أجريت بهدف التعرف على أنماط التعلم والتفكير والفروق بين الجنسين  في هذا المجال، مع الوضع في الاعتبار طبيعة التخصص الأكاديمي (على المهدي وعامر حسن، 1999، (Al-(Biali, 1993; Soliman, 1989). وعلى الرغم من أن أنماط التعلم قد تعكس طبيعة النصف المسيطر في المخ، إلا أنها لا تعني بالضرورة وجود هذه العلاقة، كما أن الباحثين لم يضعوا في اعتبارهم متغير أفضلية اليد.
  2. استخدمت معظم الدراسات السابق ذكرها أداة واحدة تمثلت في اختبار تورانس لأنماط التعلم، وهي أداة تتفق وطبيعة فروض هذه الدراسات.
  3. تشابهت الدراسات العربية في أهدافها وفروضها، وكانت إلى حد كبير تكراراً لبعضها البعض، ولم توجد دراسة عربية واحدة تناولت العلاقة بين أفضلية استخدام اليد والوظائف المعرفية. وعلى الرغم من اقتراب دراسة علي الديب (1994) من هذا المفهوم إلا أنها ظلت وثيقة الصلة بأنماط التعلم ولم تتعرض للوظائف المعرفية بشكل عام ولا لأفضلية اليد كمفهوم متصل بشكل خاص. كما أن دراسة البيلي (Al-Biali, 1993) ربطت بين أنماط التعلم وحل المشكلات، بينما حاولت دراسة محمد الشيخ (1999) توضيح العلاقة بين تفضيل استخدام نصفي المخ  والتآزر البصري الحركي، وإن كانت لا تعني العلاقة بين أفضلية استخدام اليد وهذه الوظيفة.
  4.  على الرغم من أن دراسة كورنيش (Cornish, 1996) تناولت مفهوم أفضلية اليد كمفهوم متصل إلا أنها بحثت علاقة هذا المفهوم بصعوبات القراءة فقط، ومن خلال سؤال ليس من خلال أداة، بما يعني أن نتائج الدراسة اعتمدت على ما أقره أفراد العينة من وجود صعوبات قراءة بنعم أو لا، مما يشكك في مصداقية هذه النتائج. أما دراسة (Jones & Martin, (1997) فقد اكتفت بتحديد اليدوية بسؤال واحد (بأي يد ترسم) وقامت بدراسة تأثير هذه اليدوية على وظيفة معرفية واحدة هي الذاكرة البصرية اليومية.
  5. تأتي دراستا آنيت (Annett, 1992) لتكون أقرب الدراسات لموضوع الدراسة الحالية، ولكنها اكتفت بدراسة القدرة المكانية فقط، وبأدوات مختلفة.

 

·         فروض الدراسة:

1.      توجد فروق دالة إحصائياً بين الذكور والإناث من طلبة الجامعة في الوظائف المعرفية؟.

2.      توجد فروق دالة إحصائياً بين طلبة الجامعة ذوي التخصصات العملية والتخصصات النظرية في الوظائف المعرفية.

3.      توجد فروق دالة بين أصحاب أنماط استخدام اليد في الوظائف المعرفية لدى طلاب الجامعة؟.

4.      يوجد تفاعل دال بين الجنس والتخصص الدراسي وأفضلية استخدام اليد على الوظائف المعرفية؟.

5.      يوجد تفاعل دال بين الجنس والتاريخ الأسري لاستخدام اليد اليسرى على الوظائف المعرفية؟.

 

·         مفاهيم الدراسة:

1.   أفضلية استخدام اليد: مفهوم يشير إلى مدى تفضيل الفرد لاستخدام أي اليدين أو كلاهما في الأنشطة اليومية المعتادة وليست الكتابة فقط، وتتضمن هذه الأنشطة الكتابة، والرسم، وقذف أو رمي الأشياء، استخدام المقص، استخدام فرشاة الأسنان، استخدام السكين، استخدام الملعقة، إشعال عود ثقاب، فتح غطاء إناء مغلق... الخ. وهي الأنشطة التي يقيسها اختبار أفضلية استخدام اليد من إعداد الباحث.

2.    الوظائف المعرفية: هي بعض الوظائف المعرفية التي يختص بها كل نصف من نصفي المخ، ونقصد بها الذاكرة اللفظية والقدرة على التخطيط وحل المشكلات، وهي ما يقيسها اختبارا إعادة الأرقام، وترتيب الصور. وكذلك وظائف الذاكرة البصرية، والسيطرة على المهارات الحركية كما يقيسها اختبارا بنتون وتوصيل الحلقات.

 

·         إجراءات الدراسة:

1-    العينة:

   أجريت الدراسة في الفترة من أكتوبر 2000 إلى يناير 2002، على طلبة جامعة الإمارات، وضمت العينة 200 من طلبة الجامعة (100 طالباً، 100 طالبة) من كليات نظرية (أقسام علم النفس والاجتماع) وكليات عملية (الهندسة والعلوم) ممن يستخدمون اليد اليمنى واليسرى، والذين تراوحت أعمارهم بين 18-25 عاماً، بمتوسط عمر قدره 20.43 سنة، وانحراف معياري 1.58. وبلغت قيمة (ت) لدلالة الفروق بين عمر الذكور والإناث 1.12، وهي قيمة غير دالة مما يشير إلى تماثل مجموعتي الدراسة في متغير السن. وقد تم اختيار أفراد العينة على أساس تقرير الفرد عن استخدامه لأي من اليدين في الكتابة. ويشير جدول (1) إلى خصائص عينة الدراسة.

جدول (1) خصائص عينة الدراسة